الخميس 19 يناير/كانون الثاني 2017، العدد: 10517

الخميس 19 يناير/كانون الثاني 2017، العدد: 10517

مقتطفات عراقية من زمن الدعوة إلى الخيانة

ما نشهده من تعدد الولاءات للصراعات وانفتاح الواقع الدولي لتقبل الإبادات والمجازر سيوفر القناعات بالتكتل في الخنادق الأصغر، والتوجه إلى اليمين السياسي أو الراديكالية الدينية في ظاهرة متنامية لانحسار الأمل بالتعايش مع الآخر.

العرب حامد الكيلاني [نُشر في 2016/06/30، العدد: 10322، ص(8)]

تسعة أيام مضت على احتلال بغداد، أي في 18 أبريل 2003، استطعتُ الوصول إلى بناية فيها مكتب خاص للصحافة، توافد عليه الإعلاميون العرب والأجانب باعتباره مركزا لاستقطاب الصحافيين العراقيين ومكان تجمعهم.

ما يهمني ليس التوثيق للعمل الصحافي، إنما الانقلاب الحاصل في الواقع السياسي والاحتلال السريع للمباني الرسمية وشبه الرسمية من قبل الأحزاب أو الشخصيات والعناوين الفاقعة لمقراتها العشوائية، وما كان مستحيلا أو خيالا، صار واقعا وطّنتُ نفسي على التعامل معه كأنه كابوس لا بد أن نمضي في دهاليزه، دون صراخ أو مغامرات لغة قد تكلفنا الكثير.

بعد يوم أو يومين من ذلك التاريخ كانت البناية تشهد ازدحاما، في محاولة من الصحافيين والإعلاميين والبعض من الأدباء والفنانين لمعرفة أخبار بعضهم، وأيضا للبحث عن فرص عمل بعد توقف أرزاقهم لمدة شهرين؛ أصبح المكان خلية نحل، أوْقدتْ فيهم الأمل بالانحياز إلى المهنية لتجاوز الصعوبات الجمة التي سنواجهها؛ فالمتغيرات والأجواء المشحونة بالفوضى وحركة قوات الاحتلال، ستعقبها حتما حركة للسياسيين والإعلاميين القادمين من خارج العراق مع أحزابهم الوافدة.

لم يتأخر حضورهم، ومع أول شخصية، قدمها لي صاحبها بالقول: مولانا من حزب الدعوة. ولأول مرة عندما سمعت التقديم، عرفت أننا أمام زمن مختلف وذَكَرتُ نفسي بتوصياتي لأصدقائي بالتزام المهنية، لكنني مع ذلك لم أتمالك أعصابي تماما، وكدت أقول له: تقصد مولاك من حزب الدعوة العميل؛ ثم عرفني بشخصه كأحد الإعلاميين البارزين في الحزب. بعد أن تداولنا الحديث طلب مني “مولانا” بسؤال مباشر تحديد انتمائي المذهبي، قلت له “الديانة مسلم، ألا يكفي؟” قال “لا، هذا لا يجوز، يجب أن تحدد”. تدخل ثالثنا بابتسامة، ليوضح له اهتماماتي الفنية والصحافية، لكنه أي “مولانا” لم يقتنع إلا بالحسم والفصل، وبناء حواجز أصبحت واضحة في ما بعد، وتخطت حدود التوقعات بالوصول إلى ما نحن عليه من مأزق ومأساة تخندقات الطوائف والأحزاب والأديان والقوميات والإثنيات.

شخصيات عديدة من مختلف التوجهات، كانت تلتقي معظمها على رغبة معرفة المقابل بانتمائه، وتصر على حصره في حلقة عناصر معينة، ليتم تداوله بتقييمات ساذجة، لكن الأهم هو تسطيحه وإلغاء إنسانيته ومواقفه وتاريخ اهتماماته وحرياته الشخصية، ومنحه أوصافا عامة يسهل التعامل معها.

الخوف، صَنَعَ حواجز الكونكريت وعزلهم بمنطقة “خضراء” للسلطة الديمقراطية؛ بذخوا الأموال على مواكب الحمايات لينفصلوا أكثر عن الشعب؛ مارسوا التنكيل بالمؤسسات ووضعوا قوانين التفرقة، ابتداء بفصل الأوقاف الدينية إلى أوقاف تفرقة طائفية، جرّت الويلات لمجتمعنا العراقي وخلقت الفتن، وكانت حجر الأساس اللعين للمحاصصة الطائفية على صعيد التشريعات السياسية وأخطرها كتابة الدستور بإرادة عملاء المخابرات الأميركية والإيرانية وحضور هامشي لمن ارتضى أن يكون سببا في تمرير بنوده وفقراته؛ وحتى على علاته كان الدستور يُفسّر على مقاسات وأهواء الإملاءات الطائفية وقرارات ورغبات وميول الحزب الحاكم.

لكن خوفهم يتعاظم عند عدم وجود عدو، ولو افتراضي، حزب أو تنظيم أو انتماء لجماعة أيا كانت، لأنهم يفقدون مبررات تشكيل الجماعات المسلحة، ويفقدون أدوات قوتهم، ومشاريعهم تكون بلا مسوغ، لذلك اجتهدوا لصناعة النزاعات، حتى بين المجموعة الواحدة رغم أنها تبدو ظاهريا موحدة في انتمائها، ثم تتناوش أفرادا منها بالاغتيال والتصفيات، والتهمة جاهزة وتحضيرها سريع كرغوة الإرهاب.

السِلم المجتمعي لن يخدمهم، وتقدم الاقتصاد ينال منهم، وكان ممكنا جدا أن يوفر العراق المنتجات الزراعية والصناعية التي يستوردها لسد احتياجاته، لكن التبعية وصناعة الفراغات في أمنه الغذائي والعسكري وصناعاته النفطية والطاقة، إنما هي سياسة دعم مزدوج التوجهات؛ من جهة استطاعوا تمويل نظام الملالي بالأموال أثناء مدة العقوبات الدولية، ومن جهة أخرى أضعفوا العراق ومهدوا للفساد وتغول المافيات والعلاقات المشبوهة، وكان للإصرار الأميركي على تقويض كيان الدولة الدور الحاسم في ما حصل من تدمير منظم.

ما نؤكد عليه، منهجية التخطيط لتمزيق العراق وعدم عفوية العمل السياسي؛ ولقاء المصالح الأميركية في المنطقة بأهداف المشروع الإيراني ليس من باب الصدفة، والتنسيق لزراعة الاحتراب الطائفي ونقل شتلاته الجهنمية إلى أرض العرب.

ما نشهده من تعدد الولاءات للصراعات وانفتاح الواقع الدولي لتقبل الإبادات والمجازر سيوفر القناعات بالتكتل في الخنادق الأصغر، والتوجه إلى اليمين السياسي أو الراديكالية الدينية في ظاهرة متنامية لانحسار الأمل بالتعايش مع الآخر، أيا كان حجمه ونوعه وتأثيره؛ يشمل ذلك الكتل الكبيرة واحتمال تفككها، أو بداية تعالي طموحات الانفصال، أو زيادة ضخ أدرينالين الاعتزاز القومي المبالغ فيه، وتفاعل الدماء الوطنية في إعادة لأبشع فترات النشوة لمفاهيم الأعراق المتفوقة التي قدمت للبشرية حربين كونيتين وحروبا أهلية وتصفيات عنصرية مهينة للإنسانية.

كشفت الأحداث عن أسرارها ومآسيها إلى حد أنه لم يعد هناك ما يبرر استخدام كلمة سري أو سري جدا أو سري وشخصي أو أي درجة كتمان للمخاطبات أو المناورات السياسية، فالعلاقات ما عاد فيها ما يخجل، والخيانة والجريمة والتواطؤ والغدر والترصد وسبق الإصرار ومصادر التمويل وأسبابه، وتجاوز القوانين الدولية، كلها معروضة في أسواق الميديا العالمية ومنشور غسيلها على الآلاف من الجثث ودمار المدن؛ هذه الاستباحة والإباحية الدموية لم تكن أبدا طارئة أو إصابة عرضية أو جرحا سرعان ما سيندمل.

التفاصيل الصغيرة للإستراتيجيات ممكن تحويرها أو استبدالها أو الإضافة عليها، لكن هيكلها الأساس يتضمن الأكاذيب مثل كذبة امتلاك العراق لأسلحة الدمار الشامل، ثم الاحتلال وترك العراق فريسة لملالي إيران وعملائهم الصغار، صناعة الخنادق، زج الميليشيات في الجيش، تحطيم الاقتصاد، تكوين إرادة عسكرية لا مفر منها ومدعومة بفتوى لا يمكن منازعتها، التصريح بالأهداف والإبادة دون خجل أو خوف من عقاب.

كل المؤشرات والتجاوزات تعني تزايد سرعة السباق للاحتماء بخندق الخصوصية الطائفية والتمترس مع مميزات اللون الواحد.

مولانا إياه، بعد أشهر قليلة من الاحتلال وترسيخ المحاصصة كنظام سياسي، حضر مبتسما وما عادت تهمه هويتي المذهبية، بل بادرني بالقول “أقدم لك نفسي من جديد: أنا فلان من حزب الدعوة العميل”، كان يبدو فرحا وفخورا بالخيانة، هكذا تجري الأمور حتى الآن.

كاتب عراقي

حامد الكيلاني

:: مقالات أخرى لـ حامد الكيلاني

حامد الكيلاني

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر