الاحد 25 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10674

الاحد 25 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10674

اتفاق مرمرة.. سقط القناع

لم يكن أردوغان يوما مناصرا لفلسطين، بل استثمر فلسطين تسويقا لصورة 'الباب العالي' ولخلق قوة ناعمة تركية تبدأ من المسلسلات المدبلجة ولا تنتهي عند السياحة.

العرب أمين بن مسعود [نُشر في 2016/06/30، العدد: 10322، ص(9)]

نصوص الاتفاق بين إسرائيل ممثلة في رئيس وزرائها بنيامين نتنياهو، وتركيا في رئيس جمهوريتها رجب طيب أردوغان، تؤكد حدود الشعارات السياسية والعناوين الدعائيّة “البراغماتيّة” عندما يتعلق الأمر باستراتيجيات كبرى وبمصالح أطراف دولية قد تختلف في وقت معين، وقد تخوض حروبا إعلامية ضد بعضها، ولكن هذا لا ينفي أن الثابت في العلاقات التركية الإسرائيلية هو التعاون والتحالف الاستراتيجي، والمتغيّر هو التباين والاختلاف.

بنود الاتفاق الذي كشفته الصحافة الإسرائيلية، الأحد الفارط، أثبتت أنّ أنقرة فاوضت من بوابة المصالح التركية أولا، وتفهم الأولويات الإسرائيلية في أمن الكيان الصهيوني ثانيا، ولم تكن فلسطين أو بوابتها الجنوبية المحاصرة حاضرة في ذهن المفاوض التركي ناهيك عن الإسرائيلي الذي أدار النقاش من زاوية منفعة إسرائيل حصرا وحفظ شيء من ماء الوجه لأردوغان الذي صعد فوق شجرة التصعيد ولم يجد من ينزله بعد أن دفع كافة سلالم الهبوط بقدميه.

التسويغات التي قدّمت سابقا لرفض مسوّدات التسويات الأولى بين تركيا وإسرائيل في ما يخصّ مذبحة سفينة “مرمرة”، والمتجسّدة في رفع الحصار عن القطاع والاعتذار الرسمي عن المجزرة لم تتضمّنها بنود الاتفاق، بل إنّ مصادر شبه رسمية في أنقرة أبانت أن ملحقا أمنيا سيتم تطبيقه بمجرد دخول الاتفاق حيّز التنفيذ. وهو ما يكشف أن سياقا سياسيا واستراتيجيا فرض على أنقرة تغيير موقفها من إبرام اتفاق مرمرة.

من الواضح أنّ مناصرة واشنطن لأكراد سوريا في حربهم نحو الاستقلال من الدولة السورية عبر محاربة تنظيم “الدولة الإسلامية” الإرهابي قوّضت لا فقط مشاريع تركيا العثمانية في التوسع الناعم شمال سوريا، وإنما أيضا مشاريع السلام مع حزب العمال الكردستاني والتي وصلت إلى مدى متقدم من المشاورات والمناقشات مع رئيس العمال الكردستاني عبدالله أوجلان.

كما أن فصول المواجهات السياسية مع روسيا، والطائفية مع سوريا وإيران والعراق، والتاريخية مع الأرمن والعسكرية مع الأكراد، والحقوقية مع الصحافيين والقضاء والمحامين وناشطي المجتمع المدني، والاستئصالية مع عبدالله غولن، والاستئثارية بالخطّ الإخواني مع عبدالله غول وأحمد داوود أوغلو، حوّلت أردوغان إلى بؤرة من التوتر، وتركيا إلى كيان قلق يعيش على فوهة الاضطرابات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية المحلية والإقليميّة.

تراهن تركيا اليوم على إسرائيل للتقليص من عزلتها الإقليمية والدولية وإعادة ضخّ الدماء في العلاقات مع روسيا، لا سيما وأنّ أنقرة تريد التموضع في الاتفاق الأمني والعسكري المبرم بين تل أبيب وموسكو حيال حدود التدخل الروسي في سوريا والخطوط الحمراء الإسرائيلية، وهو ما قد ييسّر الترميم الجزئي للعلاقات الروسية التركيّة.

كما تراهن أنقرة على استعادة إسرائيل الشريان الرئيسي للغاز الطبيعي -الذي تقتنيه تل أبيب من مصر بأسعار رمزيّة- ولا سيّما بعد انغلاق الأسواق الروسية أمامها واستحالة تطبيق مشروع “الدوحة – أنقرة – الاتحاد الأوروبي”، لتزويد أوروبا وتركيا بالغاز الطبيعي القطريّ، والعلاقات المتوترة مع الجزائر، وتحوّل إيران إلى شبه محتكر لهذه الثروة الباطنيّة في العالم.

في المقابل، تبتغي تل أبيب من صفقة مرمرة نفخ الروح في مسار التطبيع معها وتحيين مسيرة الاعتراف بها في الشرق الأوسط، وهو ملف لن يتزحزح وفق المنظور الإسرائيلي إلا بوجود داعم إسلامي في وزن تركيا يدعم الخطوات التطبيعية المستجدّة في منطقة الخليج العربيّ.

على مناصري أردوغان في العالم العربي أن يدركوا أنّ “الدول الأمم”، على غرار تركيا وإيران، توظّف الأيديولوجيا داخليّا لتعميم مبدأ الوحدة الدينية والثقافية واللغوية، فيما تستثمر “دعائيّا” في الأيديولوجيا خارجيّا حيث تصبح الشعارات مجرّد أوراق سياسيّة لتحسين شروط التفاوض، فلئن كانت الأيديولوجيا مربحة في اللعبة الانتخابية وفي تسويق صورة البطل القومي، فإنّها غير قابلة للصرف في السياقات الإقليمية والدولية حيث وحدها المصالح هي العملة الرائجة.

لم يكن أردوغان يوما مناصرا لفلسطين، ولن يكون ولم يطلب منه أحد ذلك، ذلك أنّه استثمر فلسطين تسويقا لصورة “الباب العالي” ولخلق قوّة ناعمة تركية تبدأ من المسلسلات المدبلجة ولا تنتهي عند السياحة، وعندما تقابلت القضية الفلسطينية مع مصالحه، ضحّى بغزّة وأهل غزّة والفصائل المقاومة في القطاع وأمضى اتفاقا مع “أعداء اللسان وحلفاء الكيان”. لن يلوم أحد أردوغان على اتفاق مرمرة، فاللوم على من اعتبره يوما مناضلا مناصرا لفلسطين ولقضايا العرب.

كاتب ومحلل سياسي تونسي

أمين بن مسعود

:: مقالات أخرى لـ أمين بن مسعود

أمين بن مسعود

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر