السبت 29 ابريل/نيسان 2017، العدد: 10617

السبت 29 ابريل/نيسان 2017، العدد: 10617

التشكيلية السعودية مهدية آل طالب ترسم حاضر المدينة

  • استمرت تجربة الفنانة السعودية مهدية آل طالب في قلق مستمر، فمنذ تجربتها الفنية الأولى سنة 1992 وهي في حالة اختبار لأفكارها ولخاماتها، مستعينة بعدة مدارس فنية ابتداء بالسريالية، ثم الواقعية، ثم التعبيرية، ثم الرمزية، ثم العودة للسريالية من جديد في معرضها الشخصي السادس “حاضر مدينة” الذي قدّمته في صالة عبدالله الشيخ بفنون الدمام (شرق السعودية) مؤخرا.

العرب زكي الصدير [نُشر في 2016/07/01، العدد: 10323، ص(17)]

غياب لإنسانية الإنسان وحضور الثرثرة

عرضت الفنانة السعودية مهدية آل طالب في معرضها الأخير المعنون بـ”حاضر المدينة” في صالة عبدالله الشيخ بفنون الدمام سبعة عشر عملا فنيا سرياليا أنجزته خلال العام 2016، متخذة من صور الطير والحصان رموزا للإنسان بكل صراعاته وتطرفه حيال أيديولوجيته وعقائده، واستعانت في ذلك بألوان الأكريليك والمكس ميديا والكولاج على مساحات لونية كبيرة.

وعالجت آل طالب من خلال ألوانها بعض القضايا المشغولة بسؤال الهوية وارتباكاتها عبر المدرسة التعبيرية المسكونة بالتصوّف والروحانية الواضحة في أسماء لوحاتها، التي اعتبرتها الفنانة عتبة نصية للمتلقي أثناء محاولته استنطاق لوحاتها وقراءتها، حيث عنونت أعمالها بـ”الناهضون، والنديون، والناجون، والمتدبرون، والاستنباطيون، والمتسلقون، ونبض الطرق، ويحكون، ووجه العابرين، ووجه الموانئ”.

وحاولت مهدية في تجربتها أن تقدّم فكرة الصراع الاجتماعي في المدينة بشكل عام، وذلك بين فصائله المختلفة المتمثلة في الدينيين والمثقفين والليبراليين والسياسيين والرأسماليين، وكيف أن هذا الصراع الأبدي لن يرهق سوى الإنسان الذي يقف في دهشة مستمرة حيال ما يدور حوله من قضايا لا ناقة له فيها ولا بعير، الأمر الذي يجعل من قضاياه المصيرية العادلة مثل “قضية فلسطين” هامشية وبعيدة عن همه اليومي في صراعاته اللحظية الطويلة.

وعن ذلك تقول مهدية “أساس المعرض يعتمد على فكرة ثلاثية، وتفصيل لأصناف البشر المتباينة، والفكرة الثلاثية هي: (الدين والقوانين والثقافة)، فكلما كان الدين أكثر روحانية وتسامحا، والقوانين أكثر إنسانية، كان ناتجهما مجتمعا راقيا متطورا بعيدا عن المجتمعات العالقة في الكهوف، والتي أفسدت بلدانها، وكان هذا الهاجس واقع البعض من البلدان العربية، وقد تلاشت منها ظاهرة الإنسانية، لذا أخفيت الإنسان في هذه المجموعة وحلت محله عناصر أخرى، فيها اختزال وتبسيط وملئت بحروف رمزية كناية عن الثرثرات الحاصلة في أي مجتمع، لهذا كان اسم المعرض (حاضر مدينة) إشارة إلى غياب الإنسانية والإنسان وحضور الثرثرة”.

مهدية آل طالب: المعرض يعتمد على فكرة ثلاثية أساسها الدين والقوانين والثقافة

وشخصيات مهدية آل طالب محايدة في صراعاتها، وأحيانا مستسلمة لمصيرها، تحاول أن ترصد ما يدور حولها دون أن تتدخل في مآلاتها التاريخية الحتمية، لهذا نجدها في حالة ثبات وسط اللوحة معاينة الحقيقة ومستبصرة فيها وآخذة بما ستؤول إليه، إنها توصّف الواقع دون أن تتدخل فيه.

يقول الفنان السعودي زمان جاسم عن تجربة مهدية آل طالب الأخيرة “هذه التجربة هي امتداد لتجاربها السابقة التي توظف فيها جاهدة قيما إنسانية بدلالات قابلة للتأويل، ولا تغفل أبدا عن القيم الفنية التي تشتغل عليها داخل منجزها البصري حيث الاهتمام بأكثر من تقنية، وهي موازنة ذكية بين الشكل والمضمون”.

ويضيف جاسم “بالعودة إلى المنجز الذي يحمل عدة دلالات بغض النظر عن فكرة الفنانة الأساسية، نجد أنفسنا أمام مجموعة من الصياغات التي تلامس وجع الإنسان المعاصر، خاصة في استبدال العنصر البشري بكائنات أخرى مثل الطيور التي لم تتضح ملامحها كاملة، إنما هي حالة تعبيرية تعطي أفقا ومدى بعيدا عن المباشرة، وهذا ما نجحت فيه الفنانة في تجربتها الأخيرة”.

وترى مهدية أن تطوّر المجتمعات الإنسانية ومدنها في حواضرها القائمة لا يكون إلاّ عبر نبض الفنان وإحساسه العميق بما يجري من حوله، وأن هذا الفنان أداة كاشفة للمنطقة المغيّبة عن الآخرين الذين لا يبصرون سوى ظاهر الأشياء دون باطنها، لهذا تؤكد مهدية على أن الفنان يجب أن يحمل رسالة سامية ذات مضمون خالد، وألاّ يرمي نفسه على عتبات التجارة أو الديكور فينسى رسالته الحقيقية.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر