الثلاثاء 22 اغسطس/اب 2017، العدد: 10730

الثلاثاء 22 اغسطس/اب 2017، العدد: 10730

ربطة العنق

لعل الابتسامة التي ترتسم على الشفاه لدى رؤية أعمال الفنان محسن أبوالعزم مردّها تحقيق الفنان لما قاله في سياق آخر الباحث الألماني راينر شتولمان 'في الضحك شيء ثوري تشنجي'.

العرب ميموزا العراوي [نُشر في 2016/07/01، العدد: 10323، ص(17)]

غالبا ما أكتب خلال ما يُسمى جورا في المنطقة العربية بـ”العطلة الأسبوعية”، أضع بقربي ركوة قهوة وفنجانا ورديّا خاصا بجلسة الكتابة الأسبوعية.

أترك التلفزيون مضاءً بقربي وأكتم صوته لأدع نظري يتحول منه وإليه بين الفينة والأخرى كما يحدث معي، ويحدث معي كثيرا، حين أجلس بالقرب من مهرج فاقد الصواب ومُضاء هو الآخر بثياب ملونة، وغير مبال بعدم اهتمامي بخزعبلاته الأكثر تشويقا في عيون الآخرين.

قد يبدو ذلك عبثيا للوهلة الأولى، ولكنه ليس كذلك البتّة، فغالبا ما يكون هذا الوضع مثمرا جدا، وخاصة حين يواظب التيار الكهربائي على الانقطاع ومن ثم العودة مجددا ومعه اضمحلال، فيعود المهرج الكهربائي إلى تقديم وصلته الفنية وكأن شيئا لم يكن.

لا أدري لماذا يحثني التلفزيون بحالته البهلوانية البكماء تلك على الكتابة، ربما لأنه يؤمن لي فسحة هروب من أفكاري ريثما أتخلى عنها نهائيا أو ألتقطها بشكل أوضح.

منذ فترة قصيرة حينما كنت منهمكة بكتابة نص وأمامي كالعادة المهرج المستطيل، لفت نظري رجل يتكلم بشكل متشنج تماما حول موضوع ما يتعلق بالأزمة العربية، بالرغم من ضحالة استيعابي لخزعبلات السياسة المعاصرة استطعت التعرّف من خلال ملامح الرجل المُتلبدة على موهبة كبيرة ومهدورة في مجال التمثيل الدرامي.

التفت إلى ربطة عنقه التي كان يكحل بها لباسه الرسمي الرصين؛ ربطة مشغولة بألوان متفجرة وبمزركشات تشبه زوابع تكاد تخنقه لشدة التفافها حول رقبته.

ضحكت؛ المشهد كله ذكرني بالحس الفكاهي والدرامي والنقدي الذي امتلكه الفنان التشكيلي المصري محسن أبوالعزم في تصويره للبؤس والقهر في الحارات المصرية الشعبية.

جاءت لوحاته تذكر بروايات نجيب محفوظ ويوسف إدريس، وفي الآن ذاته تعبر ببراعة تماما عما تميز به الشعب المصري ومنذ أيام الفراعنة من روح فكاهة خالطتها مرارة لم تنتصر عليها.

عندما أقول “المشهد كله” أقصد أنني أصبحت جزءا من المشهد الهزلي الذي برع في تصويره الفنان، فقد كنت مهتمة كثيرا بما يحدث على الشاشة، ولكن لم أكلف نفسي مشقة رفع الصوت لأعرف لماذا يتكلم الرجل بكل هذه الحُرقة، وعوضا عن ذلك ارتأيت أن أتخيل معاني الكلمات التي كانت تهجّيها شفتاه.

كما أنني كنت منهمكة بالكتابة وفي الوقت نفسه متعلقة بحبال مشهد تلفزيوني معقد ليس له علاقة بما أكتب، وفيه تناقض هائل ما بين تعبير وجه الشخص وربطة عنقه الفكاهية التي تكاد تخنقه أمام مئات من المتفرجين ومن ضمنهم أنا.

لدى الفنان محسن أبوالعزم أكثر من لوحة تصور أناسا عاديين يجلسون أمام شاشة التلفزيون ليتفرجوا على برنامج هزلي أو على أخبار مقلقة، فلا فرق بين الإثنين في لوحته، كما في عالم اختلطت فيه كل المعايير والمشاهد في ما يشبه الهذيان.

لا أدري تماما أيهما في موقع المُتفرج؟ الناظر إلى اللوحة أم الأشخاص المرسومون الذين ينظرون إلى شاشة التلفزيون، وهم أكثر أهمية من أي مشهد “مُعلب” يقدم إليهم على الشاشة، وهم في بيتهم المتواضع بعد نهار من الكدح أو الملل إثر غياب عمل كان بوسعه أن يسّد رمقهم ويهدئ من لوعة أحلامهم الخاصة التي باتت أحلاما عربية ومشتركة بامتياز، أحلاما لا يفقه كنهها إلاّ أصحابها ولا يعترف بها العالم المحيط.

الرجل ذو ربطة العنق الفريدة من نوعها يشبه إلى حدّ بعيد ليس فقط الرجال في لوحات الفنان، وإنما أيضا كل شخصيات اللوحات بما في ذلك النساء والأولاد.

اللوحات تتضمن عناوين مباشرة من قبيل “طبخة الملوخية” و”أخبار مهمة” و”متابعة الأخبار” و”الطفل الجائع″، عناوين تحمل في طياتها البصرية الكثير من النقد الاجتماعي والتأويل وتجسيد عدم الانغماس في المآسي.

لعل الابتسامة التي ترتسم على الشفاه لدى رؤية أعمال الفنان محسن أبوالعزم مردّها تحقيق الفنان لما قاله في سياق آخر الباحث الألماني راينر شتولمان “في الضحك شيء ثوري تشنجي.. النكتة الجيدة تحتاج إلى ذلك، إلى لحظة مدهشة، إلى تناقض، إلى أي عنصر يحيرنا، لكن دون أن يصرف انتباهنا عن الواقع، فالمعلوم والغريب يجب أن يكونا متوازنين”.

ناقدة من لبنان

ميموزا العراوي

:: مقالات أخرى لـ ميموزا العراوي

:: اختيارات المحرر