السبت 29 ابريل/نيسان 2017، العدد: 10617

السبت 29 ابريل/نيسان 2017، العدد: 10617

تركيا على جبهتين

الحكومة التركية كانت تنظر إلى تنظيم الدولة في سوريا والعراق على أنه سيقوم بمهمة إضعاف التمرد التركي، لكن ما حصل هو العكس، فكانت النتيجة أنها فتحت جبهة جديدة للقتال عوض جبهة واحدة.

العرب إدريس الكنبوري [نُشر في 2016/07/01، العدد: 10323، ص(9)]

للمرة التاسعة تهتز تركيا على وقع عمليات إرهابية في بحر سنة ونصف، خلفت المئات من القتلى ومثلها من الجرحى وخسائر بالجملة، البعض منها قابل للإحصاء والبعض يتعذر تقييمه لأنه مرتبط باهتزاز هيبة الدولة التركية وسقوط مصداقية السياسة التي يقودها رجب طيب أردوغان.

تصريحات أردوغان والمسؤولين الأتراك ذهبت رأسا لتوجيه الاتهام إلى تنظيم داعش باعتباره المسؤول الأول على جميع العمليات التي استهدفت تركيا، لكن التنظيم لا يزال حتى اليوم يلتزم الصمت حيال الأوضاع الأمنية الداخلية في البلاد، ولم يتبن أيا من التفجيرات التي حصلت منذ يناير 2015، باستثناء عمليات الاغتيال الفردية التي نفذها ضد البعض من المعارضين السوريين المقيمين في المدن الحدودية التركية مثل غازي عنتاب وأورفة. بيد أن القراءة الخاطئة والمميتة للحكومة التركية لم تدرك بأن تلك العمليات الموجهة إلى المعارضين فوق ترابها ليست سوى الوجه العاري لسياسة التردد التي انتهجتها منذ عام 2014 على الأقل إزاء تغلغل التنظيم الإرهابي في الداخل التركي، وتركت له حرية الحركة في إطار سياسة غض الطرف التي تعني بتوافق ضمني صفقة متبادلة، باتت مستعصية اليوم على الجانب التركي.

ومثلما راهن نظام أردوغان على تنظيم أبي بكر البغدادي في خلط الأوراق ضمن المعادلة الإقليمية، وفتح نافذة للفرص أمام أنقرة، راهن هذا الأخير بدوره على سياسة التساهل التركية التي جعلته يتعامل مع الوضع منذ البداية وكأن التراب التركي عمق استراتيجي في خطته الإرهابية. فقد بدا واضحا أن أردوغان أراد تحويل تنظيم داعش على الحدود مع سوريا إلى عنصر إيجابي في السياسة الإقليمية لأنقرة، من أجل تحقيق هدفين، الأول البحث عن موطئ قدم في الخارطة الإقليمية ما بعد فض الأزمة السورية، والثاني الضغط غير المباشر على التمرد الكردي في الداخل عبر المراهنة على حرب داعش ضد الأكراد في سوريا؛ ولكن الهندسة التي وضعتها تركيا أبانت عن قصر النظر، فالأكراد أظهروا تفوقا ميدانيا في القتال ضد مسلحي داعش، وفرضوا أنفسهم في المعادلة في وقت كانت أنقرة تريد إخراجهم منها، والمعطيات الإقليمية للأزمة السورية بدأت في التحول لغير صالح تركيا، وهو ما يفسر الارتماء الأخير لأردوغان في أحضان موسكو والاعتذار الرسمي عن إسقاط الطائرة الروسية في نوفمبر الماضي.

مسلسل التفجيرات الذي بات يلاحق تركيا في الأشهر الأخيرة مؤشر على أن تنظيم داعش وضع نصب عينيه زعزعة الأمن التركي وإرغام الدولة التركية على الرجوع إلى التوافق الضمني الذي كان قائما بين الطرفين. بالنسبة لداعش فإن التحول الذي أحدثته السياسة التركية في ما يتعلق بمحاربة الإرهاب يعد خرقا للاتفاق “من جانب واحد”، فلا شك أن هذا التغيير أربك حسابات داعش، ومثل إغلاقا لمنفذ كان يتنفس منه في السابق، وقبالة الحصار الذي بات يلاحقه في العراق خاصة بعد سيطرة الجيش العراقي على الفلوجة، فلم يعد أمام التنظيم سوى فتح جبهة قتال جديدة مع تركيا.

المشكلة الأكبر التي ستواجه تركيا بعد أن دخلت في حرب مفتوحة مع داعش، لا ترتبط بهذا الأخير فحسب. فتنظيم البغدادي يوجد على طاولة يجلس حولها أكثر من لاعب إقليمي ودولي، ومهمة تركيا في هذه العملية لا تتجاوز لعب دور متناغم مع المواقف الدولية إذا أرادت اتخاذ موقف جديّ يقفز على نزعة الانفراد، لكن المشكلة تطرح نفسها أكثر على صعيد العلاقة المستقبلية بينها وبين حزب العمال الكردستاني الذي يقود معارك ضد الحكومة منذ ثلاثة عقود.

لقد أصبح تنظيم داعش اليوم بمثابة النموذج الذي يريد التمرد التركي نقله إلى داخل البلاد، باستيراد أسلوبه في التفجير وضرب المواقع الحيوية للنظام التركي، والاستفادة من الخبرة القتالية لأفراد التنظيم، خصوصا وأن المقاتلين الأكراد راكموا خبرة قتالية في ضوء المعارك التي خاضوها ضد التنظيم التكفيري، وهذا ما يقضّ مضجع الحكومة التركية التي كانت تنظر إلى داعش على أنه سيقوم بمهمة إضعاف التمرد التركي، لكن ما حصل هو العكس، وكانت النتيجة أنها فتحت جبهة جديدة للقتال عوض جبهة واحدة.

كاتب مغربي

إدريس الكنبوري

:: مقالات أخرى لـ إدريس الكنبوري

إدريس الكنبوري

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر