الخميس 29 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10676

الخميس 29 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10676

الميلودي شغموم يقتحم عوالم مغربية بعيدة عن الأعين

رواية الميلودي شغموم الأخيرة بما هي تجاوز للبنيات النوعية المغلقة لا تسعى لتشويق القارئ لمتابعة الكشف عن لغز جريمة.

العرب شرف الدين ماجدولين [نُشر في 2016/07/03، العدد: 10325، ص(12)]

مجرد أشباح في الزمن (لوحة للفنان حنفي محمود)

تعددت الرواية المغربية التي حاولت كشف النقاب عن العديد من المشاغل التي تهم المواطن المغربي، وذلك برصد همومه وأحلامه وتطلعاته المستقبلية، ولئن اختلفت أساليب التعبير من كاتب إلى آخر، فإن الهدف الكبير يظل النبش في آثار ماض غير بعيد، وسبر أغوار عوالم ظلت خفية وبعيدة عن أعين الناس، هذه العوالم صورها البعض من الكتّاب بجرأة نادرة وبإيقاع جديد وفريد من نوعه.

ويبدو الكاتب المغربي الميلودي شغموم، في روايته “أرانب السباقات الطويلة”، مهووسا مرة أخرى بسؤال الحقيقة الأصلية، التي يسعى الجميع لإخفائها، بدءا من المحيط العام، وانتهاء بصنّاع الالتباس المهرة، من سياسيين وإعلاميين وجمهور متعلّق بالتزييف والإثارة وقتل الحقائق. فبعد تنويعات شتى لماهية الحقيقة الضائعة في نصوص سابقة، تلبست بالنادر والنفيس كالمخطوط في رواية “سرقسطة” واللوحة الفنية في نص “المرأة والصبي”، وبظواهر أخرى في نصوص مختلفة، تأتي حقيقة الشخص المسمى ناصر الفكاك في الرواية الجديدة، وواقعة اختفائه التي لن تكون إلا ذريعة للإيهام بحقائق شتى، لا تضمر شيئا في النهاية إلا الالتباس الأبدي.

تحكي الرواية، الصادرة عن “المتقي برنتر”، وتوزيع “دار الأمان”، قصة اختفاء العميد ممتاز ناصر الفكاك من مستشفى الأمراض العقلية، الذي أدخل له بقرار من القاضي، إثر محاكمته بتهمة اغتصاب بناته.

وللكشف عن دواعي هذا الاختفاء وما يضمره من حقائق وألغاز، يوظف المبنى السردي آليتين متساندتين في الظاهر، ومتعارضتين في العمق، هما البحث البوليسي، والتحقيق الصحافي، متساندتين بالنظر إلى توسلهما بالقرائن ذاتها، المتصلة بملف الجريمة الأصلي، تلك التي تجتبي ضحايا أبرياء مجرد “أرانب” وضعوا للتمويه وتحمل الوزر، ومتعارضتين بالنظر إلى اتصال التحري البوليسي بإرادة السلطة لإجلاء الحقيقة التي تريد فقط، والتي لن تكون يوما نهائية. واتصال التحقيق الصحافي بذهنية الجمهور التواق إلى السخرية والتلفيق والانتقام الرمزي من كل ما قد يتصل بالسلطة.

سيرة وأقنعة

يعود التحقيق إلى الأصول: المنبت والمحتد، إلى الجد العابر، والجدة العمياء، وإلى مدينة ابن أحمد، وموسم اليهود، وضريح سيدي محمد الفكاك، وطقوس الفروسية والغناء والرقص الشعبي، وغلال التين والبصل، ليرسم لنا سيرة الطفل الذي تحول إلى “أرنب سباق”، يموه الحقائق ويداري الأسرار، ذلك الذي عبر بين النقائض وبدل العتبات بقدر ما نوّع الأقنعة، من ابن أحمد إلى الدار البيضاء ومنها إلى الرباط، مدوخا محيط الأهل والخلان، والأقارب والأباعد، عن جبلته وسداه: هل هو فعلا ذلك الضابط النقي في محيط مهنة فاسد أم هو الجلاد المسؤول عن الانتهاكات الجسيمة في حق ضحايا سنوات الرصاص؟ هل هو الشرطي الملتزم المحكّم لضميره أم حليف الجنرال المتآمر على نظام الحكم؟ هل هو العفيف أم الفاسد؟ المبدئي أم المخادع؟

يمكن اعتبار نص (أرانب السباقات الطويلة) بحق سردية عميقة وآسرة عن أحوال زماننا تنضاف إلى رصيد الروائي الثري والخصيب

أسئلة تتداعى في ذهن القارئ بقدر تداعيها في سجلات مفتش الشرطة بوعزى الضاوي، وتحريات الصحافي سعيد الفك المتتبع لقضية عميد الشرطة التي ملأت الدنيا وشغلت الناس، وامتد هزيمها من الصحافة إلى المقاهي ومن البرلمان إلى القنوات التلفزية، وهي الأسئلة أيضا التي ما انفكت تحاصر المحيط النسائي للبطل من الزوجة “الصافية” وبناتها الثلاث، إلى خليلتيه الملتبستين أيضا فضيلة وراضية، لا أحد في النهاية يسبر غور هذا الجلاد الشريف، المتصدر للسباق، لهذا سيكون المبنى السردي منسجما في تضمينه للتناقضات الفعلية والسلوكية لناصر الفكاك تجاه منطق الأحداث، فهو المتحمل لشطحات زوجته غير السوية، لكنه أيضا العصابي العنيف تجاه عشيقته فضيلة، هو المسؤول غير المتسامح تجاه الشطط في استعمال السلطة وتجاه الرشوة والمحسوبية، وهو أيضا المتمادي في انتزاع الاعترافات من المعتقلين السياسيين، وكأن القصد هو تخييل ذلك الالتباس الجهنمي الذي يلف مسارات الحقيقة الحياتية دوما.

مؤامرة قذرة

يفضي التحقيق الروائي إلى كشف المؤامرة التي أفضت إلى محاكمة العميد ناصر فكاك بتهمة زنى المحارم، وإدخاله مصحة الأمراض العقلية، إذ كان ضحية كيد تاجر شهير في المخدرات أدخله السجن بعد استعصاء أمره على عدد كبير من رجال الأمن، نتيجة من شأنها رد الاعتبار للبطل أمام الحقيقتين المعمّمتين من قبل الصحافة والسلطة على حد سواء، لكن هل تنهي الحقيقة المكتشفة تفاقم الالتباس؟ كل ما في فصول الرواية وفقراتها يدل على العكس، إذ باتت المحصلة منطلقا لسلسلة أسئلة أعمق عن حقيقة المؤامرة: من وراءها؟ وما الغرض من تحويل شرطي نموذجي إلى “أرنب سباق” أو “كبش فداء”؟ ومن هو ناصر الفكاك في النهاية، بطل أم مجرم أم ضحية؟

رجل بأشباح متعددة

أسئلة كثيرة تجر القارئ من حالة الشخص المفرد الذي يمثله ناصر الفكاك، إلى وضع شريحة اجتماعية كاملة، تخص منتسبي الشرطة ممن تورطوا في الانتهاكات الجسيمة لحقوق المعتقلين في سنوات الرصاص، واقترفوا جرائم لا لبس فيها، لكنهم تحولوا في المبنى التخييلي إلى ضحايا أيضا، في قاعدة المراجعة والتشكيك في المحصلات السهلة، فبتعبير السارد “نحن لم نعد نذكر من تلك السنوات سوى الرعب الذي عاشه ضحايا تلك الفترة ونسينا الرعب الذي عاشه الجلادون، كأن الضحية لا تعذب جلادها أو كأن الجلاد لا يجني من التعذيب إلا المتعة، الضحية قوية أقوى من كل جلاد، لأنها تتسلح بمبدأ، بحلم، والجلاد أضعف لأنه خائف، مرعوب من كابوس. هذا حال كبار الجلادين والمشرفين على الجلد، فما بالك بصغار الجلادين والمنفذين من أمثال ناصر الفكاك”.

مدارات الالتباس

والحق أن اللعبة الروائية لا تكتفي بفتح مدارات الالتباس في كل فصل على احتمالات أوسع، وأكثر انزياحا عن النموذج المفرد، وإنما تحول البناء الدرامي إلى حلبة لتعارض الرؤى والوقائع والمدونات الشخصية بصدد المجاز الأصلي الذي مثله ناصر الفكاك، وما يتصل به من مرويات وأحداث، حيث يتحول الجوهر الشخصي إلى عمق مظلم خاضع لوجهة نظر المحيط؛ ولهذا بات مفهوما أن تنتهي سجلات التحري السردي إلى نصوص تخييلية متعارضة تضم مذكرات العميد المختفي نفسه، وتحقيق المفتش بوعزى الضاوي، وكتاب الصحافي سعيد الفك، وفي النهاية كتاب ابنة البطل المغتربة في كندا الذي خصصته لقضية أبيها، مما يفضي بالقارئ إلى متاهة من الاحتمالات والصيغ التسجيلية والمدونات، لا ترسو إلى اليقين، بقدر ما تشكك في كل شيء.

على هذا النحو تتجلى رواية الميلودي شغموم الأخيرة بما هي تجاوز للبنيات النوعية المغلقة، فهي لا تسعى لتشويق القارئ لمتابعة الكشف عن لغز جريمة فحسب، كما هو شأن الروايات البوليسية عموما، ولا تتغيى كتابة سيرة فضاءات بذاتها وإن أوحت بذلك، وليست في المقابل رواية عن الاعتقال السياسي، ولا سردية من واقعية القاع، قد تكون بعضا من ذلك، أو كله بصيغة ما، بيد أن الشيء الأكيد أن نص “أرانب السباقات الطويلة” براهنيّته الشديدة، وحسه النقدي، وما يحفل به من وقائع وأحداث شغلت الجمهور، وبطاقته المجازية البديعة المتغلغلة إلى عمق الذهنية والثقافة المغربيتين، يمكن اعتباره بحق سردية عميقة وآسرة عن أحوال زماننا، تنضاف إلى رصيد الروائي الثري والخصيب.

كاتب من المغرب

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر