السبت 25 مارس/اذار 2017، العدد: 10582

السبت 25 مارس/اذار 2017، العدد: 10582

الذهاب إلى المريخ وحيدا في فيلم 'الاقتراب من المجهول'

  • ليست هنالك متعة ومغامرة أكثر من استجلاء الكواكب والأزمنة المجهولة من خلال الرحلات إلى الفضاء، ذلك ما درجت عليه أفلام الخيال العلمي منذ بداياتها مطلع القرن الماضي واستمر الحال إلى يومنا هذا، كان ارتياد الكواكب الأخرى هو الإشكالية والتحدي اللذان بسببهما تتألق الدراما الفيلمية ويبنى السرد الفيلمي، هنالك على الدوام رواد فضاء وسباحة في الفضاء عبر مركبة أو مكوك فضائي، وهنالك خصوم، ثم نجاح التحدي والوصول إلى الكوكب المستهدف، ومن هناك لم يخرج فيلم “الاقتراب من المجهول” عن هذه الأركان الأساسية، ولكنه أتى بمعالجة أخرى، حيث أراد المخرج مارك روسينبرغ أن يقلل من مساحة المغامرة المعتادة في مثل هذا النوع من الأفلام.

العرب طاهر علوان [نُشر في 2016/07/04، العدد: 10326، ص(16)]

فانتازيا البطولة الفردية

جماليات الشكل في أفلام الخيال العلمي تعد محطة أساسية في قراءة هذا النوع من الأفلام، وهي عناصر جذب توفر للمشاهد من دون شك متعة اكتشاف عالية بالاعتماد على كم ونوع المشاهد التي تحرك فضوله وتوقعاته وهو منغمس في مسار الأحداث.

في فيلم “الاقتراب من المجهول” للمخرج مارك روسينبرغ (إنتاج 2016) سنستعد لتلك الرحلة القائمة على الفانتازيا والبطولة الفردية من خلال الشخصية الرئيسية الكابتن ستانافورث (الممثل مارك سترونك)، وهو يتكلف بالقيام برحلة فردية إلى كوكب المريخ تستغرق قرابة عام كامل، وذلك تمهيدا لاستعمار الكوكب.

جماليات الشكل ستكشف عنها يوميات الكابتن، وهو يواجه العديد من المصاعب ويتغلب عليها، فهنالك إحساس بالمكان الغرائبي من خلال جسم المركبة الفضائية من الداخل.

جماليات المكان أيضا شكلت عنصرا مهما من خلال التنقل بين المكانين الرئيسين في الفيلم، من خلال اللقطات العامة للكاتب في صحراء مديدة، حيث يجري تجاربه على تنقية المياه، إلى جانب اختيار مميز للمناظر الصحراوية، حيث سيكابد الإخفاق نفسه الذي سيكابده في جوف المركبة الفضائية ويتغلب عليه، ودائما كانت الحاجة إلى الماء هي التحدي بالنسبة إليه، وما بين هذين المكانين توزعت الأحداث ولم ننتقل إلى مكان آخر غيرهما.

الكابتن هو الشخصية الواحدة والوحيدة التي تقود الدراما الفيلمية، بالأمس كتبنا عن فيلم “عالم الروبوت”، وهو أيضا اعتمد الشخصية الواحدة ونجح فيها، بينما لن نجد في يوميات الكابتن ما هو مثير ومختلف، ليست هنالك تحولات درامية مهمة وملفتة للنظر، وهي نقطة ضعف واضحة في هذا الفيلم، فالتحديات اليومية من مثل عطب جهاز تنقية المياه وغيره لم تكن بذلك المستوى الذي يمكن أن يغير في مسار الدراما الفيلمية، مع أن الكابتن كان أمام تحدي التسلية بفشل المهمة والعودة إلى الأرض.

وبخلاف الاتصالات المستمرة مع القاعدة الفضائية على الأرض ومع أشخاص آخرين لا شيء يكسر الرتابة، وسنجد صعوبة في التناغم مع أحداث رتيبة ولا جديد فيها، وبهذا كان الفيلم يقترب في الكثير من الأحيان من خاصيات الفيلم الوثائقي في تقديم يوميات الكابتن، وهو يعوم في الفضاء البعيد، ينهض من نومه، يحاول الحصول على الماء، يتحدث مع المحطة الأرضية، ينقطع الاتصال لبضع ثوان ثم يعاود الاتصال، فيتهلل وجه الكابتن.

الفيلم يقترب في الكثير من الأحيان من خاصيات الفيلم الوثائقي في تقديم يوميات الكابتن الفضائي، لا أكثر

حتى هذا الانقطاع في الاتصالات كان يمكن توظيفه بشكل آخر من أجل تحريك الدراما الفيلمية وتصعيدها، لكننا سرعان ما عدنا إلى رتابة اليوميات ذاتها، وبهذا افتقدنا الكثير من الحبكات الثانوية التي كنا نتوقعها والتي يفترض أن تحضر بقوة في هذا النوع من الأفلام، مع أن المعالجة الفيلمية اتجهت إلى تبسيط الحبكة الرئيسية على أساس أن مجرد وجود الشخصية في ذلك العالم النائي كاف لمدّها بأسباب الجذب لدى المشاهد.

على صعيد الزمن السينمائي هنالك زمن افتراضي يمثله زمن الرحلة التي تمتد إلى قرابة عام، والذي يتم التعبير عنه من خلال تواريخ تظهر على الشاشة، ما عدا ذلك لا نلمس تفاصيل الاقتراب من الهدف وكم هو الزمن المتبقي، وهو عنصر مفقود هنا، فضلا عن إحساس الشخصية بالزمن وكيف تفاعلت مع دورته المعتادة في مثل هذه المهام في الفضاء الخارجي، فالنسيج الزمني هنا لا يتداخل مع أي أحداث مهمة، ولهذا لم تجر العناية به كثيرا.

شركة “بارامونت” المنتجة احتفت بالفيلم جيدا كما تفعل في كل إنتاجها وتشجع الكثير من النقاد على الكتابة عن الفيلم، ولكن من دون أن نتلمس المزيد مما نبحث عنه في تلك الدراما من خلال ما كُتب عن الفيلم. عدا الانتقالات المكانية، كانت هنالك مشاهد “فلاش باك” عادت بنا إلى كوكب الأرض وإلى الصحراء، حيث إجراء التجارب على المياه، وتلك المشاهد هي الانتقال المكاني/المونتاجي الوحيد الذي كسر رتابة المكوث في جوف المركبة الفضائية، فيما كان بالإمكان جعل الشخصية في حالة توتر وعمل دائم وتمر بمآزق شديدة. وربما كان فيلم “المريخ” لمات دامون مثالا رائعا لذلك النوع، حيث تبحر الشخصية في رحلة إلى الفضاء وهناك تعيش مغامرات وتواجه مصاعب كبيرة وشديدة، ليرافق ذلك أيضا الكشف عن طبيعة الشخصية، وعن دوافعها النفسية وردود أفعالها، وهو ما افتقدناه مع شخصية الكابتن التي بقيت مغلقة من دون سبر الكثير من أغوارها أو اكتشافها.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر