الاربعاء 28 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10675

الاربعاء 28 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10675

شاعرة تعبث بـ'أزرار الصمت' في 'قميص الكلام'

  • المشهد الثقافي البحريني مشغول على الدوام بتقديم التجارب الجديدة المختلفة على الصعيد الشعري والروائي والتشكيلي والمسرحي والموسيقي والسينمائي، ويشهد المتابعون للحركة الثقافية البحرينية -بين فترة وأخرى- ولادة أصوات إبداعية جديدة لها ملامحها الخاصة التي تنتمي لجيلها فقط. "العرب" التقت بالشاعرة البحرينية بتول حميد للحوار معها حول تجربتها وحول البعض من القضايا الثقافية في البحرين.

العرب زكي الصدير [نُشر في 2016/07/04، العدد: 10326، ص(15)]

الضوء أهم من المصباح

حين تقترب من بتول حميد لا تواجه سوى ابتسامة خجولة مرسومة على وجهها، ابتسامة تخبئ وراءها الكثير من القلق والشعر وهيبة الأسئلة. ورغم حداثة سنها إلا أنها قدّمت نصا يستحق القراءة المتأنية في مجموعتها الأولى “افتح أزرار صمتك” حيث حمل عنوانها دعوة مباشرة للكلام ورفع راية التعبير عاليا، بالإضافة إلى المعطيات التي تقدّم للقارئ مفاتيح مهمة لفهم جيل شعري كامل.

"افتح أزرار صمتك"

سكنني اعتقاد -وأنا أبدأ صفحاتي الأولى من المجموعة- بأنها ستكون مجموعة شعرية عاطفية لشاعرة شابة مسكونة بأحلام الحب ورومانسياته، لكنني حين قلّبت الصفحات وجدتني مطوّقا بتفاصيل وأسئلة شعرية ووجودية لشاعرة مهمومة، لها موقفها ورؤيتها الخاصة للحياة، لها حلمها، وربما أحلام جيلها أيضا، يلمس القارئ ذلك في عدة نصوص، لعل أبرزها نص “شاعر”، ونص “رسام”. وبالمجمل، كانت بتول تتجلّى بصورتين: ذاتية، ووجودية.

عملت بتول كمراسلة صحافية في وكالة أنباء البحرين وبموقع بوابة المرأة الإلكتروني، وفازت بالمركز الخامس (من بين 120 مشاركة) في مسابقة متكأ للقصة القصيرة 2014. كما تنشر لها مقالات متنوعة ونصوص أدبية في الصحف المحلية. وكان متوقعا أن تتقدّم للمشهد الثقافي بمجموعة قصصية غير أنها اختارت منصة الشعر عبر دار الفراشة الكويتية، غير أنها ما زالت مسكونة بهاجس القصة القصيرة، وتشعر بوميض لمجموعة قصصية يلح عليها، ولكنها تفضّل أن تطوّر أدواتها الكتابية التي ستؤهلها لإصدار آخر.

عن مجموعة “افتح أزرار صمتك” تحدثنا بتول حميد “صدقا لن أستطيع بدقة تحليل مناخات أزرار صمتي، انبلاجها، فكها وحياكة قميص الكلام. منذ طفولتي والكتب تنسج عوالمها المختلفة في تشكيلي الجوانيّ، تغريني بأغلفتها وألوانها ومحتواها، تلبسني غواية رسم حروفي الخاصة. كنت أواري حمرة خجلي بيدي حين تمتدحني مدرسة اللغة العربية في حصص التعبير وتطلب مني إلقاء ما كتبت. كان ثمة فخ وجودي رائع يدعوني دوما للكتابة. لاستنطاق الدمى والعرائس والأحداث التي قررت قبل فترة بعيدة احتكار السعيد منها في دفتر خاص. كانت ثمة موسيقى تصويرية خفيّة تدور في روحي وتصوغ ما يدفعني للكتابة، واستفزاز لذيذ يستدرجني بعد قراءة نص مدهش أو رواية ملهمة. كبرت وما زلت مأخوذة بالكتب، مشغولة بعوالمها، أخال أني ما زلت الطفلة ذاتها”.

لغة بتول حميد تقترب من تلك الومضات القصصية القصيرة جدا، الموغلة في التكثيف. وبالإمكان رؤية البعض من المناطق التي تقترب فيها بتول من المسرحية الشعرية المونودرامية، حيث القصة الشعرية ذات المشهد الواحد المروي بأصوات متداخلة، الأمر الذي يدفعنا إلى التساؤل حول يقظتها في بناء نصها الشعري، ومدى تأثير القصة القصيرة التي تشتغل عليها على الشعر في النص.

لغة بتول حميد تقترب من تلك الومضات القصصية القصيرة جدا كما تقترب فيها بتول من المسرحية الشعرية المونودرامية

تجيب ضيفتنا “لا يشغلني نوع الجنس الأدبي أو تسميته بقدر ما يهمني عمقه وابتعاده عن الاعتيادي المكرس. الشعر بكل قسوته ورهافته كإناء مليء بالورد لا يفسر، أو كما يقول الشاعر أوكتافيو باث ‘لا جدوى من أي محاولة لتعريف الشعر مطلقا’. كما أميل إلى رأي الكاتب البحريني/ أمين صالح ‘شخصيا لا أنظر إلى الأنواع الأدبية (القصة، القصيدة، الرواية، المسرحيّة، كتخوم منفصلة ومتباعدة عن بعضها البعض، بشروط وقوانين مصطنعة وكابحة تميّز نوعا عن آخر، وتبعد شكلا عن آخر، إنما كأشكال قابلة للتفاعل والتداخل في ما بينها، وتمارس تأثيرها المتبادل بحريّة ورشاقة، لتثمر نصوصا لا تكتسب قيمتها من انضوائها تحت راية مصطلح، بل بما تحققه من اختراق إبداعي يتسم بالجدّة والعمق'”.

أكتب ما يشبهني

في مجموعة “افتح أزرار صمتك” نواجه نصوصا مشتغلة على الأسئلة الوجودية ذات العلاقة بالهم الإنساني الفلسفي العميق، غير أن أغلب النصوص مسكونة بالهم العاطفي (الرومانسي)، حيث تجنح إليه معظم الشاعرات العربيات، وهو نص يغلب عليه التشابه في الملامح الشعرية بين جيل كبير من تجاربهن.

هواجس الإنسان وهمومه لا تنام حتى بعد موته

وعن هذا الرأي تعلّق بتول “لم أستطع التملص ربما من الإنسان وهمومه وأرق هواجسه التي لا تنام حتى بعد موته. لم أستطع التملص في الوقت ذاته من الحب. هذا الكائن المحشور في أطنان الدواوين الشعرية والروايات، في المسلسلات الهابطة أو الهادفة، المشاهد السينمائية وأغاني الفنانين التي عجزت بكل مجازاتها عن إيجاد تعبير واحد عنه. حاولت أن أكتب ما يشبهني، ما يصلح لأن يحكي-بتوجس أو ثقة ربما- عن هويتي من مشاهد رأيتها أو أخيلة تمنيتها أو تفاصيل حياتية عشتها بكثافة”.

تشغل بتول حميد قضايا المرأة في كل بقعة كونية وتحديدا في البحرين، وينعكس ذلك واضحا في تفاصيل نصوصها –سواء الشعرية أو القصصية- تقول “من الطبيعي جدا أن يضيرني حزنها وأسعد لفرحها. أستشف ذاتي بنرجسيّة ربما حين أمجد كينونتها الفولاذية المرهفة، ولكن أليست هي الشريك الحي في ثالوث الحياة الأبدي (الشعر، الحب، الجمال)؟ أليس حريا بها أن تتحرر من كل القيود المتفسخة بالصد أو الأصفاد الرجعية؟ أليس حريا بها أن تخلق جماليتها الخاصة بفعل الحب لا بفعل المقاومة؟”.

في محاولة للاقتراب من تجربتها أكثر تساءلنا مع بتول حول الأسئلة التي تؤرقها كشاعرة تنتمي للجيل الجديد في البحرين، وكيف تنظر إلى الأجيال الشعرية السابقة عليها، تجيب “يؤرقني ألا أستقل عن احتلال الحرف الحر لروحي، ألا أهين أحلامي بتأويلها أو أخيلتي بتفسيرها. وأنظر إلى قامات أدبية تمتلك من الشاعرية والخبرة الأكاديمية الكثير في صدورها، لشباب واعد يرسم حروفه بجسارة ومن دون تبعية. أرفض تأطير صورة الجيلين في الوقت الذي أؤمن بأهمية تحقيق كل منهما استقلاله الفكري. ربما لأني أخال أن التأطير النمطي قد يحبس المواهب في تعريف غير مفيد، وأنه علينا أن ننحاز للنص بدلا من كاتبه وكأني أستشعر ما قاله نزار “لأن الضوء أهم من المصباح. القصيدة أهم من الدفتر. والقبلة أهم من الشفة”.

وعن إمكانية اجتماع المثقفين البحرينيين تحت مظلة هوية واحدة، لا سيما بعد أحداث البحرين 14 فبراير 2011، ترى بتول أن نظرة “مغبشة” –حسب تعبيرها- تأخذها وراء المشهد الثقافي، ربما بسبب الاختلاط المتكرر بين ما هو رأي شخصي وما هو واقع. تقول “نظرة ‘مغبشة’ على من يرى بأن الثقافة ترف مخملي يركن في بروج عاجية وأخرى على من يراها قماشا شعبيا وضرورة حياتية، بين المفاضلات الشوفينيّة والانتقائيّة المجردة من الأهواء، أتمنى أن يجمع المثقفون البحرينيون–بكل ما يملكون من زخم حيوي- هويّة محبة دائما”.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر