الاثنين 20 فبراير/شباط 2017، العدد: 10549

الاثنين 20 فبراير/شباط 2017، العدد: 10549

مشايخ الجهاديين بين المراجعة النظرية والتقية السياسية

  • ظهور ما يعرف بتنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام، أربك منظري الفكر الجهادي وكشف ضحالة وتفاهة ما ينظرون إليه أمام ما يفرزه الواقع وما تمليه المتغيرات السياسية، وأصبحت، بالتالي، كل كتب الفكر الجهادي في حقيقتها مجرد حبر على ورق رغم دورها التعبوي لدى أنصار الإسلاميين وقواعدهم، وذلك لأن المسألة السياسية والواقع الميداني هما اللذان يتحكمان في المقولة النظرية وليس العكس.

العرب إدريس الكنبوري [نُشر في 2016/07/08، العدد: 10328، ص(13)]

الشعارات ليست هي المتحكمة في الفكر الجهادي

منذ ظهور تنظيم داعش، وعلى الأخص منذ انفراد التنظيم بإعلان الخلافة في أجزاء من تراب العراق وسوريا عام 2014 بعيدا عن الجماعات الجهادية الأخرى وعلى رأسها تنظيم القاعدة، والساحة الجهادية تشهد حراكا غير مسبوق في النقاش والجدل والردود بين مؤيد ومعارض لمبادرة تنظيم أبي بكر البغدادي.

تلك المبادرة قسّمت ولأول مرة طوائف الجهاديين وأحدثت شرخا في النسيج الفكري والعقدي لم يحصل نظير له منذ ظهور تنظيم القاعدة، الذي نجح خلال قرابة عشر سنوات في وضع صياغة شبه موحدة بين التنظيمات الجهادية، بسبب أن منظري التيار الجهادي كانوا يصبون جميعهم في دعم التصور العام للتنظيم الذي أسسه أسامة بن لادن، وهو ما جعل الخلافات بين مشايخ الجهاد غير ظاهرة بشكل واضح للعيان، وتكاد لا تتجاوز بعض الحيثيات اليسيرة في فقه الجهاد أو ترتيب الأولويات في ساحة الجهاد العالمي.

شكّل ظهور تنظيم الدولة في العراق والشام تحوّلا راديكاليا في مواقف عدد من مشايخ الجهاد البارزين، الذين شكلوا في مرحلة تنظيم القاعدة أساطين الفكر الجهادي، وأشرفوا على صياغة منظومة المفاهيم والتنظيرات التي عملت على قولبة الفكر التكفيري وتقعيده، وأصبحوا مراجع لا يحيد عنها الجهاديون في كل مكان، حتى وإن وجد من بين هؤلاء من لم يمارس العمل الجهادي بشكل مباشر، وكان مدخله إلى التنظير الجهادي الكتابة والوعظ وتوجيه الرسائل “العلمية” إلى الجهاديين؛ ولعب هؤلاء دورا رئيسيا في تجنيد الشباب لفائدة التيارات الجهادية المسلحة عبر ما كتبوه بوصفهم من أهل العلم الديني والخبرة.

ويمثل كل من عصام طاهر البرقاوي، المعروف باسم أبي محمد المقدسي وعمر محمود عثمان، المعروف باسم أبي قتادة الفلسطيني، نموذجين بارزين لمشايخ الجهاد الذين شكلوا رافدا من روافد الفكر الجهادي العالمي، ووضعوا فيه أهم الكتب المرجعية التي لا تزال زادا يغذي التيار الجهادي في كل مكان؛ حتى وإن كان الاثنان قد أحدثا تغيّرا في مواقفهما من تنظيم البغدادي، وأصبحا رمزا لانتقاده والهجوم عليه في كتاباتهما وتصريحاتهما المتكررة.

غير أنه، وعلى الرغم من المواقف حيال تنظيم داعش وتبدّل الآراء بخصوص بعض جوانب التكفير والقتل لدى الجهاديين، تظل الإشكالية المطروحة أن تلك الانتقادات هي انتقادات معزولة عن المسار التكفيري نفسه الذي نهجه كل من المقدسي وأبي قتادة، ذلك أن هذه المواقف يغلب عليها الطابع السياسي أكثر من الطابع العقدي والفكري، وهو طابع غذّاه ظهور تنظيم داعش في الأصل ولم يكن ناتجا عن تحول منهجي اختياري ونتاج مراجعة فكرية ذاتية، وبالتالي فإن تلك المواقف تخضع لتقلبات الساحة الجهادية والممارسة الميدانية لتنظيم الدولة على الأرض وعلاقته بالتنظيمات الجهادية الأخرى، وبالأخص تنظيم القاعدة.

ظهور تنظيم الدولة في العراق والشام، شكل تحولا راديكاليا في مواقف عدد من مشايخ الجهاد البارزين

موقف أبي قتادة جاء نتيجة لظهور تنظيم الدولة وإعلان الخلافة، وظهر من ثم كرد فعل على “الواقع” الجديد في الساحة الجهادية أكثر مما بدا رد فعل على “الفكر” التكفيري في ذاته. مهد المقدسي الأرضية الخصبة للفكر التكفيري عبر كتاباته المتعددة ـ التي باتت مرجعية لدى الجهاديين ـ حول الحاكمية والديمقراطية والإرجاء والولاء والبراء والذمة والعمل السياسي والجهاد وغيرها، وصاغ الرؤية الجهادية في كتاب صار مرجعا حتى لتنظيم داعش، هو كتاب “ملة إبراهيم”، بل إن التنظيم أصبح يهاجم المقدسي بمضامين كتابه نفسه، كما فعل في أحد أعداد مجلة “دابق” التي يصدرها باللغة الإنكليزية، معتبرا أن المقدسي قد حاد عنها.

والإشكالية أن المقدسي واع بأن تلك الكتابات التي خطها بيمينه صارت وقودا للتنظيم وللجهاديين في كل مكان، لكنه يكتفي في انتقاداته للتنظيم بالتعبير عن مواقف يظهر فيها التذبذب واضحا، من دون أن يأتي على تلك المؤلفات السابقة التي وضعها لكي يبدي رأيه فيها قبولا أو رفضا، مع أنها بيت القصيد.

ما يؤكد هذا الأمر أن المقدسي يربط مواقفه من تنظيم داعش بقضايا تخص الممارسة العملية، وبالمسار السياسي الذي ينتهجه التنظيم إزاء القاعدة والجماعات الجهادية، وليس بمنهجه الفكري نفسه. فقد كشف في العديد من المرات أنه سعى إلى التفاوض مع رؤوس التنظيم، وإلى البحث عن نقاط تلاق معه بما يسدد التيار الجهادي، وأعلن في عدد من التصريحات أنه راسل التنظيم لكن التنظيم غدر به.

وعلى الجانب الآخر، فإن أبا قتادة لم يحدث أي تحول ملحوظ في آرائه القديمة، حين كان يفتي في قضايا القتل في الساحة الجزائرية في التسعينات، ولم يعرب عن أي انقلاب أو نقد ذاتي لتجربته الفكرية السابقة التي صبها في جملة من المؤلفات التي تعد اليوم مؤلفات مرجعية للجهاديين؛ ومثل المقدسي، تبدو مواقفه الجديدة ذات طابع سياسي أكثر منه عقدي، وهو ما يفهم منه الجهاديون أن الأمر ليس مرتبطا بانقلاب على الفكر التكفيري في ذاته، بقدر ما أنه مجرد تحول تكتيكي تمليه المعطيات المتغيرة في الساحة الجهادية.

تطرح هذه القضية تساؤلات عدة تخص المشهد الجهادي اليوم: لماذا لا يستطيع مشايخ الفكر الجهادي الذين ينتقدون داعش إعلان مواقف صريحة من كتاباتهم السابقة والتبرؤ منها؟ هل الأمر يتعلق بتقية تمليها الظروف السياسية وتحولات الساحة السورية اليوم؟ لماذا لم يقدم هؤلاء على خطوة جريئة تشبه المراجعات التي قامت بها جماعة الجهاد في مصر على سبيل المثال، عبر إعادة النظر في الجزئيات الفقهية والعقدية التي ضمّنوها كتبهم في الجهاد، دون الاكتفاء بالتعبير عن مواقف في القضايا الكلية، علما وأن المشكلة الرئيسية في الفكر الجهادي تكمن في الحيثيات الفقهية الجزئية.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر