الاربعاء 23 اغسطس/اب 2017، العدد: 10731

الاربعاء 23 اغسطس/اب 2017، العدد: 10731

تقرير تشيلكوت والحرب في قفص الاتهام

تقرير تشيلكوت لئن كان بريطانيا في ملابسات الحرب، فإنه يعيد حماقة القرار الأميركي بالحرب ضد العراق إلى الواجهة، واحتلاله دون غطاء قانوني من مجلس الأمن.

العرب حامد الكيلاني [نُشر في 2016/07/08، العدد: 10328، ص(8)]

“نحن بحاجة إلى أن نكون كباراً في سياساتنا، ونمضي قدماً بهدوء ونضج، لأن مستقبلنا كدولة في العالم، وكمملكة متحدة على المحك” هذا ما دعا إليه رئيس الوزراء البريطاني السابق توني بلير بعد التصويت على خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي؛ كلماته فيها دراية بأهمية التوازن في المصالح، والإبقاء على العلاقات الاستراتيجية مع أوروبا، حتى مع ظروف الطلاق البائن الذي تريده فرنسا وعدد من دول الاتحاد، بإجراءات سريعة ودون رجعة، وتريده بريطانيا افتراقا شكلياً وقبولاً “على غضب” بتقاليد الديمقراطية ونتائج الاستفتاء.

تتزامن نصائح بلير مع موعد إصدار تقرير لجنة السير جون تشيلكوت الخاص بالحرب على العراق وذرائع حكومة توني بلير حينها للمشاركة بعمل عسكري مع الولايات المتحدة الأميركية في عهد الرئيس جورج بوش الابن، لاحتلال العراق.

التقرير تأخر وتأجل لأكثر من مرة، ووصل إلى إشارة الاستفهام الكبرى، وكان لا بد من مفترق طرق لنشره والانتهاء من عرضه للرأي العام العالمي ومتابعة أقارب 179 قتيلاً بريطانياً سيلاحقون معنويا وقانونياً مرتكبي “جرائم” تضليل الشعب ومجلس العمـوم، بمعلومات غير دقيقة، يراها بعض المراقبين كيدية تجاه العراق، أملتها عوامل لا صلة لها بالحجة الأساس لشن الحرب، وهي امتلاك العراق لأسلحة الدمار الشامل، الكيمياوي والنووي، في الوقت الذي كانت فيه فرق التفتيش المتخصصة التابعة للأمم المتحدة تعمل لسنوات على إزالة كل ما يتعلق ببرامج التسليح المحظورة، وأنجزت مهماتها ورفعت تقاريرها، وتصريحات هانز بليكس رئيس المفتشين، دليل دامغ على النوايا المسبقة لأميركا جورج بوش ومعها بريطانيا توني بلير على اتخاذ قرار غزو واحتلال العراق في عام 2003.

استغرق إعداد التقرير سنتين، لكنه تأخر 5 سنوات بعدها، والأعذار بعضها موجب، نظراً لعدد الصفحات وكمية ما جاء فيه من إفادات ووثائق ومقابلات شخصية، والمفارقة هي عدم وجود تخصيصات لتوزيع نسخ مجانية لذوي القتلى من الجنود البريطانيين، لكلفتها الباهظة نسبياً، وسيحصلون بدلاً عنها على نسخة ملخصة، ومتابعة للتقرير على الأنترنت.

آخر تأجيل في النشر، جاء في الذكرى الـ13 لحرب احتلال العراق، عندها تم الاعتـذار وتحديد موعد لما بعـد الاستفتاء على عضـوية بريطـانيا في الاتحـاد الأوروبي.

ربما كانت اللجنة المكلفة بإعداد التقرير تتوقع التصويت على بقاء بريطانيا في الاتحاد الأوروبي لكن خروجها انعكس سلبا على الواقع السياسي والاقتصادي والنفسي في “بريطانيا أولاً” والاتحاد الأوروبي والعالم أيضاً، وسيفاقمه تقرير تشيلكوت، على الرغم من كونه لا يرقى إلى مستوى الإدانات أو توجيه التهم القضائية، لكنه حتماً أعلى تأثيراً من مجرد كونه انتقادات للسياسة البريطانية ودورها في احتلال العراق، وما أفرزه ذلك الاحتلال من مآس مستمرة للشعب العراقي، تؤكدها الأحداث والإحصاءات الدولية ومعايير المنظمات الإنسانية، لأعداد الضحايا والإبادات والنازحين واللاجئين والأيتام والأرامل وتراجع مرعب في الحياة الإنسانية وتفكك الدولة والمجتمع، وتفاقم وتفشي ظاهرة الإرهاب على مستوى المنطقة والعالم، بعد السياسات الخاطئة، ومنها حل الجيش العراقي وتمادي إيران في فرض هيمنتها ومشروعها.

توني بلير، اطلع على التقرير، واعتذاره في العام الماضي عن أخطاء المعلومات الاستخباراتية التي أدت إلى شن الحرب، كان ردّ فعل استباقي، سعى إليه ذاتيا، لتذويب ما يمكن توقعه من انفعال أثناء عرض الوثائق والرسائل المتبادلة قبل الحرب بينه وبين الرئيس الأميركي؛ الرسائل المنشورة ستكون من جانب واحد، لأن الأميركان لن يفرجوا عن وثائقهم الخاصة ورسائل الرئيس المرتبطة بالسياسة العليا لأميركا، إلا بعد ربع قرن على الأقل من تاريخها.

الوثيقة الأهم، تحفظت عليها أميركا، وهي مذكرة كولن باول وزير الدفاع ووزير الخارجية الأميركي السابق، إلى الرئيس الأميركي وقبل لقائه في مزرعته بولاية تكساس رئيس الوزراء البريطاني.

تتضمن المذكرة “بلير سوف يكون معنا إذا كانت هناك ضرورة لعمليات عسكرية” تاريخ المذكرة واللقاء كانا قبل عام من الحرب ومن تصويت مجلس العموم البريطاني على الموافقة على غزو العراق.

الأخطر في الطروحات، إلقاء اللوم على المعلومات الاستخباراتية والتشكيك في دقتها، وهذا يعني أن رسم السياسات البريطانية في القرارات المصيرية تتحكم به أجهزة الظل والمكاتب المحيطة بالقرار السياسي في توليفة انتزعت موافقة نواب الشعب برهاب أسلحة الدمار الشامل العراقية. إحدى طبعـات صحف الظهيرة البريطانية نشرت مانشيتاً تحدد فيه 45 دقيقة فقط لإنتاج القنبلة النووية العراقية، وهذا مثال للدوافع وما هو سائد في الحالة النفسية والذهنية للموافقة على خوض الحرب.

التقرير لئن كان بريطانيا في ملابسات الحرب، فإنه يعيد حماقة القرار الأميركي بالحرب ضد العراق إلى الواجهة، واحتلاله دون غطاء قانوني من مجلس الأمن، وما رافقها من سوء في التخطيط أو التقدير لما ستؤول إليه الأمور في غياب البرنامج البديل.

ما يؤاخذ عليه توني بلير، تجاهل التظاهرات المليونية للشعب البريطاني المنددة بالتأهب للحرب على العراق، وهي مظهر راسخ في الحياة والأعراف الديمقراطية العتيدة لبريطانيا، وتعتبر بمثابة استفتاء شعبي ينحاز إلى الحكمة والتعقل.

التناقض نبرته عالية، بين نصيحة بلير في الحاضر للمفاوضين البريطانيين مع الاتحاد الأوروبي، وبين إصراره وسعيه لاستصدار قرار الحرب، رغم علمه بأنه سيكون مجرد قارع طبل في جوقة الحرب الأميركية، دون رأي أو موقف أو استشارة، وهذا خلاف ما يعرف عن بريطانيا في قدرتها على تحليل بنية الشعب العراقي؛ وتجاربها القديمة تسعفها بتجنب الوقوع في مطبات الظروف العصيبة.

نأمل أن يكون تقرير لجنة تشيلكوت، بداية استغفار دولي وأممي من جريمة احتلال العراق وتدميره وتبعاته وارتداداته في عموم المنطقة والعالم؛ والسعي لإعادة الروح السامية والشجاعة لمواجهة الحقيقة والاعتراف بها، والسير بالعدالة إلى حدودها المقبولة، عند مشارف تعلو على ازدواجية معايير القوانين الدولية أو الانحياز إلى المصالح الخاصة للدول دون الالتفات إلى مصائر الشعوب أو الفوارق الهائلة في الاقتصاد ونظم الصحة والتعليم.

العدالة تشمل محاسبة خروقات المتجاوزين من العسكريين، بمسؤولياتهم المتواضعة؛ وعليها، أي العدالة، أن تشمل أيضاً السياسيين الذين يديرون غاطس جرائم الإبادة وحماقات الحروب.

قفص الاتهام يبدو بعيداً عن المدانين في التقرير، لكنها فرصة ثمينة للمنظمات الحقوقية والإنسانية للتضامن مع العراق وضد حرائق الحروب والإرهاب في كل مكان، وإثارة ملف التعويضات للمتضررين من العراقيين، كما هو طلب التعويضات لأسر القتلى البريطانيين.

أياً كانت نتائج تقرير لجنة تشيلكوت، فإن أميركا وبريطانيا شيدتا في غزوهما للعراق جبالاً من أوهام “تورا بورا” ووزعتها بجدارة في أرض العرب.

كاتب عراقي

حامد الكيلاني

:: مقالات أخرى لـ حامد الكيلاني

حامد الكيلاني

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر