الثلاثاء 19 سبتمبر/ايلول 2017، العدد: 10756

الثلاثاء 19 سبتمبر/ايلول 2017، العدد: 10756

العيد في حقيبة عربية

العيد حاضر، يعيش في اللوحات التشكيلية العربية، كما عاشت الأطايب في حقيبة جدتي وكما احتضن صدرها حدائق من القصص تشبه الألوان والزخارف العابقة في اللوحات.

العرب ميموزا العراوي [نُشر في 2016/07/08، العدد: 10328، ص(17)]

لفتت نظري، في آخر أيام شهر رمضان المبارك، وأنا أبحر دون هدف معين على متن شبكة الإنترنت، مقالات تتكلم عن “غياب مظاهر العيد في اللوحات التشكيلية العربية”. لا أدري لماذا استغربت ذلك جدا؟ فبدأت في بحث طويل لأتأكد من حقيقة ذلك، في البداية رضخت لهذا التصور على مضض، لكن شيئا فشيئا بدأت أعثر على “العيد” في صور أشمل وأغنى أعادتني إلى حقيبة سفر، غير كل الحقائب.

قبيل العيد، وخاصة عيد الفطر المبارك كانت جدتي رحمها الله تزورنا قادمة من حلب، كنا نتحلق من حولها، نتعلق بها ونتنشق رائحة صابون الغار التي كانت تفوح من ثيابها، وهي تحتضننا في غمرة واحدة وعميقة ننسى فيها أنا وأشقائي كل ما يحيط بنا.

في الآن ذاته كانت تتولى فتح حقيبة السفر لتخرج منها تباعا قطعا من الأقمشة الملونة والمُقصبة اختارتها لنا من السوق ومرطبات ضخمة من مربى الكرز ومربى “أبو صفير” صنعتهما يداها، وعلب خشبية وسكرية اللون تختبئ فيها قطع متنوعة من الطيّبات. أطيب الطيبات بالنسبة إلي كانت حلوى “الغريّبة”، حلوى مستديرة بحجم الكفّ، لونها يميل إلى الأبيض ودائما ترصعها حبة أو حبّتان من الفستق، كنت وأنا أقضم أطرافها “بهمجيّة” نسبية أتخيل أنني أتناول قمرا من الأقمار المضيئة التي كانت تزين ليالينا وسهراتنا على الشرفة الواسعة المليئة بالنباتات.

بعد أن تأخذ قسطا من الراحة كانت جدتي تنادينا إليها، نجلس بقربها لنستمع إلى قصصها القصيرة التي كانت تتلوها علينا، قصص مليئة بالتفاصيل الملونة والحوادث السحرية التي تتوجها النهايات السعيدة، سعيدة كما الأعياد قبل أن تلوثها أحقاد البشر. هكذا كان يعلن العيد حلوله من بين يدي جدتي ويهل هلاله من ابتسامتها الوردية من دون حاجة إلى مظاهر طنّانة، وحملات إعلانية تلفيزيونية ويافطات ورسومات ترويجية تجتاح الشوارع والمحلات.

ويحضر العيد كذلك في معظم الأعمال التشكيلية العربية من دون حاجة مُلحة إلى عناوين شكلية، ولا إلى فوانيس رمضانية، أو صواني معمول شهيّ الطلعة، أو حلقات دراويش، أو جلسات مدائح نبوية. قد يكون العيد غير حاضر بشكل مباشر في معظم اللوحات التشكيلية العربية، ولكنه الروح التي تحركها اللوحات وتغذيها بالتفاصيل والألوان.

العيد منتشر في اللوحات، تجده في كاسات الشاي والجلسات المعقودة من حولها، تجده في الألوان المفعمة بالدفء، تجده بالزخارف المضيئة التي تجمل الخلفيات أو تسكن في أجساد الشخصيات، تجده في أجواء اللوحات، وفي التجمعات، ولحظات التعارف واللقاء والتأمل والوحدة و”العجقة” في الحارات والشوارع الأكثر شعبية، وتجده في لعب الأطفال وتراكضهم بين الأزقة، أما المرأة في اللوحات فهي تجسيد مطلق للعيد وللأمل بالعيد بكل ما يحمل من معان إيجابية.

أذكر من تلك اللوحات ما رسمه الفنان التشكيلي نذير نبعة، الذي أصرّ حتى آخر لحظة من حياته على أن يرسم أجواءه الاحتفائية بالمرأة والحب والحياة بالرغم من الأزمات التي انهالت على بلده سوريا. أذكر أيضا الفنان الفلسطيني إسماعيل شموط، فنان الثورة الذي تنبض لوحاته بمآسي النكبة، ولكنها تحتفي بالإنسان ولديه مجموعة أعمال هي “العيد”، وهي العرس الشامل في حد ذاته.

وأذكر أيضا الفنان وليد ياسين الذي رسم الابتسامات على معظم شخصيات لوحاته، والفنان فتحي غبن الذي أبدع لوحات راقصة بالأمل وفيها الكثير من أجواء “العيد”، العيد وهو في حماية النسوة الكادحات والعابقات بالحب. وأذكر الفنانة وسماء الأغا والفنان ناصر تامر ونور الأعظمي وغيرهم من الفنانين الكثر.

روح العيد تبدو أكثر توهجا في تلك اللوحات أكثر مما هي في اللوحات التي تعبر مباشرة عن العيد، وإن كانت هذه اللوحات جميلة جدا، نذكر من هذه اللوحات ما رسمه الفنان طاهرعبدالعظيم والفنان عادل ثابت والفنان علي الدسوقي والفنان نبيل لحود، والفنان أشرف النشار صاحب لوحات ليلية فيها الكثير من الشاعرية.

العيد حاضر، يعيش في اللوحات التشكيلية العربية، كما عاشت الأطايب في حقيبة جدتي وكما احتضن صدرها حدائق من القصص تشبه الألوان والزخارف العابقة في اللوحات.

ناقدة من لبنان

ميموزا العراوي

:: مقالات أخرى لـ ميموزا العراوي

ميموزا العراوي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر