الاثنين 23 يناير/كانون الثاني 2017، العدد: 10521

الاثنين 23 يناير/كانون الثاني 2017، العدد: 10521

عباس كياروستامي في مواجهة نقاده الإيرانيين

المخرج الإيراني لم يغادر بلاده كما فعل غيره بعد قيام 'الثورة الإسلامية'، بل ظل يخرج الأفلام هناك، يراوغ حينا، ويتماثل مع 'النظام'.

العرب أمير العمري [نُشر في 2016/07/10، العدد: 10330، ص(16)]

كان كياروستامي المعلم الذي تتلمذ على يديه مخرجو السينما الإيرانية الجديدة

كان المخرج الإيراني عباس كياروستامي الذي رحل مؤخرا عن 76 عاما، أبرز مخرجي السينما الإيرانية، بل ويعتبر الأب الروحي لجيل السينمائيين الإيرانيين الذين نجحوا في تأسيس ملامح مدرسة متكاملة خاصة في السينما. ولكن على الرغم من النجاح الكبير الذي حققته أفلام كياروستامي في الغرب، توجت بحصول فيلمه “مذاق الكرز″ (1997) على “السعفة الذهبية” في مهرجان كان، كانت دائما محل تشكك الكثير من النقاد الإيرانيين، فالبعض يرى فيها ميلا واضحا ومفتعلا إلى التجريد الذي لا يناسب المتفرج الشرقي الإيراني المعتاد على نوع آخر من الأفلام، أكثر يسرا وسهولة في المتابعة.

كياروستامي لم يغادر إيران كما فعل غيره، بعد قيام “الثورة الإسلامية” عام 1979، بل ظل يخرج الأفلام هناك، يراوغ حينا، ويتماثل مع “النظام” إلى فرض معايير أخلاقية متشددة حينا آخر، إلى أن استسلم لإغواء فكرة صنع أفلام في الخارج فأخرج فيلميه الأخيرين “نسخة موثقة” (2010)، و”كرجل وقع في الحب” (2012) في إيطاليا واليابان.

أخرج كياروستامي 16 فيلما روائيا طويلا ونحو 28 فيلما تسجيليا وقصيرا.

وبعد أن عرض فيلمه “خلال أشجار الزيتون” (1992) دارت مناظرة نادرة بين نقاد السينما الإيرانيين وعباس كياروستامي نشرتها مجلة “الفيلم الدولي” الفصلية في طهران. ونظرا لطبيعتها الفريدة وما كشفت عنه منذ وقت مبكر للغاية في مسيرة كياروستامي قبل حصوله على السعفة الذهبية، رأيت أن أنقل هنا جزءا من تلك المناظرة في صورة أسئلة وأجوبة.

◄ دعنا في البداية نؤكد لك أننا لا نريد أن تساعدنا في فهم أفلامك فنحن نرى أن الفيلم ليس مجموعة من العقد التي تنتظر منّا أن نفككها. لا شك في أهمية أن نعرف وجهة نظرك، لكننا لا نرى أنها ستجعلنا نتفق معك في تفسيرنا لأفلامك.

كياروستامي: أعتقد أنه بمجرد أن ينتهي المخرج السينمائي من صنع فيلمه، يجب أن ينأى بنفسه عنه، وأن ينظر إليه تماما كما ينظر إليه الآخرون. ومع ذلك، فمن الصعب على السينمائي أن يتبنى وجهة نظر موضوعية تماما إزاء فيلمه، فلا شك أنه يكون مهووسا بالكثير من الأفكار المسبقة والافتراضات والذكريات أيضا. لذلك لن أمنح نفسي الحق في الحكم على أفلامي أكثر منكم أنتم. لقد شاهدت مؤخرا فيلمي “المسافر” الذي أخرجته قبل عشرين عاما، وأعتقد أنني أستطيع الآن أن أتحدث عنه بتجرّد وموضوعية لأنني نسيت الكثير من الذكريات التي أحاطت بإخراجي له. أما بالنسبة إلى الأفلام الحديثة فأقوال المخرج وآراؤه أقل أهمية من الأفكار البسيطة التي تأتي من هواة السينما.

أهمية الصوت

◄ في فيلمك “تحت أشجار الزيتون” عندما يبتعد البطلان: حسين وتحريرة، نسمع من وراء الكاميرا أو من خارج اللقطة، شجارا لفظيا. كيف صنعت ذلك؟

كياروستامي: لقد طلبت من مسجل الصوت أن يدير جهازه كلما سمع أفراد الطاقم الفني يتجادلون، وهو ما يحدث كثيرا. وعندما لم يحدث جعلناه نحن يحدث. لقد نشب ذلك الخلاف تحديدا في نفس موقع التصوير. ولكن هذه المرة بعد أن جعلناهم يتجادلون حول موضوع طرحناه نحن عليهم.

دافع كياروستامي عن أسلوبه السينمائي الغامض

◄ في موضع آخر من نفس الفيلم، عندما يتجه حسين مع شيفا إلى موقع التصوير فإنهما يتعطلان في الطريق بسبب ازدحام المواصلات. هل كنت تقصد عدم الإشارة إلى المأزق أو التمهيد له؟

كياروستامي: نعم بالطبع. البعض اقترح لقطة طويلة تفصيلية، ولكني أفترض أن لا حاجة دائما لأن تجعل المشاهدين يشاهدون شيئا لكي يعرفوا عنه. هناك الطريقة الأخرى هي أن تلغى اللقطة.

◄ يمنح الانطباع بعد وجود مخرج من ذلك المأزق؟

كياروستامي: ربما يمكنك تخيل مشهد ما بينما أنت ترى شيئا أو تسمع شيئا أثناء مشاهدتك فيلما معينا. هذه التجربة تجعل المشاهدين يشاركونني التجريب بالمشاركة التلقائية في المشاعر. وبمعنى آخر، فإنهم يصنعون اللقطات التي تخصهم، وبالتالي يصبح هناك مثلث يجمع بين المخرج والممثل والمتفرجين. وهذا هو هدفي.

ولكن المتفرج قد يكون شكلا مفترضا في ذهنه على خلفية السينما الكلاسيكية، ولكن ما يهمّنا هنا هو المشاعر التي توصلها أنت إلى المتفرج عن طريق هذه التقنية. في فيلم “تحت أشجار الزيتون” أنت تبدو كما لو كنت تريد تدمير عادات المشاهدين. إنهم يتوقعون شيئا ما في اللقطة التالية، لكنك إما تريهم شيئا مختلفا، أو لا تستجيب لرغبتهم هذه على الإطلاق، فلا تريهم ما ينتظرونه. هذا المناخ السائد في أفلامك هو العلامة المميزة لما عرف بسينما كياروستامي.

كياروستامي: لم يكن قصدي أن يكون هذا الفيلم في الحقيقة مختلفا، وإذا كان هذا قد حدث لكنت سأصبح أكثر شكلانية.

◄ كان سيصبح شيئا مصطنعا.

كياروستامي: بالضبط. هذه الملامح يجب أن تكون كامنة داخل العمل نفسه وليس في شكله. أحيانا يعيد المرء أشياء عدة ولكنه يفشل بعد ذلك في وضع لقطة معينة في موضعها الذي يتوقعه الجمهور مرة أخرى. في فيلم “أين منزل الأصدقاء” ترى الولد يأتي ويذهب ثلاث مرات، وأخيرا عندما يأتي إلى المنزل في المساء تتركه لكي تتابع الرجل العجوز. وأنت أيضا تتوقع أن ترى الولد يُعاقب عقابا شديدا، وهو ولا شك لا بد أن يعاقب، هذا ما يحدث في الواقع، لكن يكفي أن ترى فيما بعد بقعة متورّمة في رقبته لكي تعرف أنه تلقّى العقاب. إنني أتذكر المثل القائل “إن الدموع تكون أكثر تأثيرا عندما تترقرق في العينين أكثر منها عندما تسيل على الخدين”. وبعد أن يتعاطف المشاهدون مع الولد فإن عقولهم تصبح مشغولة ومسكونة به حتى في اللقطات التي لا يظهر فيها. وفي فيلم “خلال أشجار الزيتون” لا نكاد نرى حسين وطهيرة في اللقطة الأخيرة من الفيلم. وقد قال لي المصور إنهما لا يكادان يظهران عبر منظار الكاميرا، واقترح التقاط لقطة قريبة لهما، ولكني رفضت تماما، وقلت له إن المشاهدين سيتخيلونهما في أذهانهم بشكل لا إرادي. إن الناس يختارون ما يناسبهم حسب خلفيتهم الذهنية ووعيهم الخاص.

الإيحاء بالواقع

◄ بعد اللقطة القريبة أنت تستخدم استبعادا لبعض اللقطات من المشهد وهو ما يرى البعض أن المقصود منه جعل المشاهدين ينسون أنهم يشاهدون فيلما بجعلهم يتخيلون باقي المشهد.

كياروستامي: على العكس. إنني أفضل أن يدرك المشاهدون طوال الوقت أنهم يشاهدون فيلما. إنني أتمنى أن يكون هناك شعاع متقطع من الضوء أمام الشاشة لكي يذكّر المشاهدين بأنهم يشاهدون فيلما مبنيا على الواقع. هذا الأسلوب واضح في أفلامي الحديثة وسوف أعمّقه في المستقبل. ولذا أشعر أنني في حاجة إلى جمهور أكثر ثقافة الآن. إنني لا أميل إلى التلاعب بمشاعر الجمهور أو اتخاذه رهينة. وأفضّل متفرجا أكثر وعيا يتفاعل مع الفيلم. وربما لهذا السبب لا أستخدم الموسيقى كثيرا في أفلامي. فليس من حقّنا التلاعب بمشاعر الناس، لا في السينما ولا في الحياة العادية. فهذا التلاعب شبيه بصبّ ماء ساخن فوق وجوههم. وإذا كان السياسيون يفعلون ذلك، فلأنهم يريدون استغلال مشاعرهم لخدمة أغراضهم السياسية، ولكننا نحن صناع الأفلام لسنا في حاجة إلى حملات انتخابية في مهنتنا. أحيانا أقول لنفسي إن الجمهور إذا كان أكثر صبرا فربّما أضع لقطات سوداء فارغة بين مقاطع فيلمي من وقت إلى آخر.

في فيلم "أين منزل الأصدقاء" يخفي كياروستامي أكثر مما يظهر

عن التمثيل والصوت

كنا دائما نعتقد أن الممثل السينمائي، على العكس من المسرح، يكون ممثلا جيدا إذا بدا وكأنه لا يمثل. بهذا المعنى يكون جعفريان نموذجا جيدا.

كياروستامي: لقد قال ستانسلافسكي إن الممثل يأتي، ثم يقلي بيضتين، يأكلهما ثم يرحل، وليس أكثر من ذلك. إن التمثيل أفضل عندما لا تمثل. من السهل على الممثل أن يلعب دور مجنون أو شخص متخلف لأنه في هذه الحالة يمثل.

◄ يبدو أنك تعتمد على الصوت كثيرا، وبعض لقطاتك تتطور فقط من خلال الصوت؟

كياروستامي: إنني أعتبر الصوت شديد الأهمية، أكثر أهمية من الصورة. إن كل ما تستطيع الحصول عليه بالكاميرا مهما فعلت، هو صورة مسطحة ذات بعدين. والصوت هو الذي يمنح الصورة بعدها الثالث، أو عمقها. والصوت أيضا يعوض عن الافتقار إلى اللقطات. فلتقارن بين العمارة والرسم. إن العمارة تتعامل مع الفضاء في حين أن كل ما تحصل عليه من الرسم هو السطح فقط. لقد قمت بزيارة معرض في نيويورك، ووجدت أن الرسام استغل الجدران والسقف والأبواب والأرضية في قاعة العرض، لكي يجعل المشاهد أو الزائر محاطا بالرسوم من كل ناحية، وعندما تغادر المعرض تشعر وكأنك قد خرجت من مناخ كامل.

على سبيل المثال في فيلم “تحت أشجار الزيتون”، عندما يتحادث حسين وطهيرة في الشرفة فإنك لا تسمع فقط صوتيهما بل هناك حاجة إلى الاستماع إلى أصوات أخرى، إلى الضجيج، ولكنه يحتاج إلى الإحساس بالخصوصية في المكان حتى يتمكّن من أن يسرّ لها بما يريده. ولكن الخلفية الهادئة ستبدو غير حقيقية وسيبدو حديثه كما لو كان محاضرة، لذا فقد استخدمت تسجيلا لمناقشاتي مع فريق العمل في الفيلم كخلفية للمشهد. وقد استخدمنا الطريقة نفسها في مشاهد أخرى عديدة، فقد كانت ستبدو، من دون ذلك، غير مكتملة. ومن ناحية أخرى، كان مونتاج الصورة في السينما أساسيا ومعترفا به، بينما لم يكن الأمر كذلك بالنسبة إلى مونتاج الصوت. يجب أن يتدفق شريط الصوت في سلاسة حتى لا يشعر المشاهدون بالاضطراب، بينما اعتاد المشاهدون القطع من لقطة قريبة إلى لقطة عامة مثلا.

عن الموسيقى

◄ لماذا اخترت تلك الموسيقى في المشهد الأخير من فيلمك “تحت أشجار الزيتون”؟

كياروستامي: إذا كان المستمعون الشرقيون يستمعون إلى الموسيقى الغربية فلا بد أنهم يحبونها، إذن فلم لا نستخدمها في الأفلام أيضا؟ من الذي يقول إنني لا يجب أن أستخدم الموسيقى الغربية؟ إن الموسيقى الكلاسيكية تنتمي إلى الناس جميعا. ليست لديها حدود، تماما كالسماء أو المحيطات. أنا لا أفهم لماذا يتعين علينا صنع أفلام لا تفهمها الشعوب الأخرى. هناك مقطوعات في الموسيقى الغربية تنتمي إلينا أيضا.

◄ ألا تعتقد أن اختيار مقطوعة موسيقية لفيلم ما أمر مساو في أهميتة لاختيار لقطة من الأرشيف؟

كياروستامي: وماذا إذا كانت لقطة معينة تنسجم تماما مع باقي اللقطات. إن لقطة “الكلوز أب”- القريبة للطائرة التي تحلق في السماء هي لقطة من الأرشيف (كانت السماء ملبدة بالغيوم في ذلك الوقت ولم نتمكن من التصوير) واضطررنا إلى استخدامها. واستطعنا أن نجعلها منسجمة في سياق الفيلم.

أما بالنسبة إلى الموسيقى فإذا كنت تقصد القول إن الموسيقى لم تكن مناسبة للفيلم فسوف أعطيك إجابة أخرى. أما إذا كنت تعترض فقط لكونها مأخوذة من المكتبة، فسأقول لأنها ليست شائعة ولا يعرفها سوى بضعة أفراد. إنني حريص على ألا تكون لدى المشاهدين خلفية ذهنية أو انحياز مسبق لموسيقى معينة أو لأيّ عنصر آخر أستخدمه في أفلامي، لأن الذاكرة يمكنها التأثير على تفاعل المشاهدين. وبالطبع في هذه الحالة يصاحب الموسيقى صوت الريح وطرقات مضارب الكريكيت. وعادة ما أجد صعوبة في ترك الأمر برمّته في يد المسؤول عن موسيقى الفيلم الذي يتحكم حتى في طريقة مزج الأصوات معا. إنني أتمنى أن تُزوّد مقاعد السينما بجهاز للتحكم في الصوت يجعل المشاهد يستطيع خفض صوت الموسيقى أو رفعه حسب إحساسه الشخصي بها.

ناقد سينمائي من مصر

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر