الجمعة 24 مارس/اذار 2017، العدد: 10581

الجمعة 24 مارس/اذار 2017، العدد: 10581

الشاعرة البحرينية رقية مهدي: النص جزء من حكاية المجتمع

  • لم تعد المثقفة السعودية تسكن خلف جدران الصمت لائذةً بالمنجز الثقافي النمطي السائد، بل اخترقت هذه الجدران لتعبّر عن نفسها فنانةً وشاعرةً وروائية. واستطاعت خلال السنوات الأخيرة تسجيل موقفها الصريح حيال جميع القضايا الكونية والعربية والمحلية جنباً إلى جنب مع المثقف السعودي. “العرب” توقفت مع الشاعرة السعودية رقية مهدي للحديث عن تجربتها وعن بعض القضايا الثقافية الأخرى.

العرب زكي الصدير [نُشر في 2016/07/11، العدد: 10331، ص(15)]

الشعر مثقل بالذات والطفولة (لوحة للفنانة ريم يوسف)

أصدرت رقية مهدي (مواليد 1985) عن دار مسعى البحرينية مؤخراً مجموعتها الشعرية الأولى حاملة عنوان “مناورات الخلود” لتدشّن أولى مجموعاتها التي تأخرت في طباعتها مقارنةً بعمر تجربتها الشعرية الممتدة من بداية الألفية الثانية. ويبدو أن هذا التريّث أنجز نصاً شعرياً متماسكاً من حيث مناخاته ولغته، فلم تنظر من خلاله لقديمها الشعري بقدر ما أبصرت تجربتها الحية التي تشتغل عليها الآن.

مناورات الخلود

تحدّثنا رقية مهدي عن مناورات الخلود قائلة “مناوراتُ الخلود، رؤى لحكايا خاصة، دخلت للنص الشعري محمّلة بحرقةٍ وعذوبةٍ وأمزجةٍ متعددة، بنتها التجربة وعمدتها البلاغة، فكان لديها الوقت الكافي لتختمر بالفلسفة الخاصة تجاه الكون والحياة، وفي النهاية صبت كلها في مخيلةٍ تنتظرُ مخيلةً قادمة تكتبها، أو تقرأها أو تقف عليها”.

قسّمت رقية نصوصها إلى سماوات سبع وما (بعد/ قبل) السماوات، وفي تصاعد القارئ ناحية نصوص السماوات السبع وما بعدها يلمس معراجاً لقاموس لغوي خاص، فكانت السماوات شبيهة بمفاتيح للخلود بمعناه الحقيقي الذي تأمله الشاعرة إزاء قسوة فناء العالم بمعناه الفلسفي. ومن خلال هذه المناورة بين ما هو كائن وبين ما هو مأمول أن يكون، تقف الشاعرة بنصها في سعة كبيرة من التأمل؛ تقول مهدية “الكتابة لن تنقذ العالم، ولكنها ستؤرّخ لجحيمه، لحرائق ذواتنا، لأحلامنا التي لن نفهمها اليوم، لكوابيسنا التي تتحقق، لاستبصار سيأتي من قوةٍ تندس بين الكلمات، التي أؤمن بها وأكفر. وفي منحنى آخر هي محاولة للبقاء، محاولة للقبض على النبض الطافح وسط طوفان مجنون، لن تكون محاولة خارقة، ولكنها تبذل ما في وِسعها لتناوِرَ معمارًا بهيًا، وتخلق في ظله سماواتٍ نحتها التعب، واحتضنتها اللغة، فخرجت مدثرةً بأتعابٍ ورغباتٍ وسلّمٍ يحاول أن يتعرف على معنى الاستدارة المكتملة التي لا تُبْلغ”.

النص نفس شاعرة، واعية بأنه يحتاج إلى تحديد الرؤية وتكثيف الصورة، فالنص رؤية ودلالة قبل أن يكون صوتا

في مجموعة “مناورات الخلود” لا نكاد نسمع صوت الشاعرة العربية التي عادةً ما تأخذ على عاتقها أن تتكلّم باسم قبيلة النساء، وباسم أحلامهن وانتكاساتهن. وعن سؤال حول مدى انشغالها بقضايا حقوق المرأة في السعودية تجيب “قد تكون الذاتية المكثفة في النص حكاية عامة، يمكن للمتلقي إخراجها من النص وتعداد إسقاطاتها لو أراد ذلك، فالنص جزء من حكاية مجتمعية، لها أثقالها السياسية والدينية والاجتماعية، محمّلة بأسئلة واستنكارات وهموم، لكن طبيعة الشعر المثقلة بالذات آثرت ألا تطرحها بصوتٍ منبري محكوم بحدةٍ ومباشرة، لذا أتت معجونة بقلق اللغة الرحيم، وفزع الكلمات الذي يكوّن بلسمًا راقيًا لفرز الوجع”.

النص ليس صوتا

نص رقية مهدي مشغول بثلاثة أشكال شعرية (عمودي، تفعيلة، نثر). وهذا المعمار اشتغل عليه العديد من الشعراء العرب، الأمر الذي يفتح باباً للحوار مع شاعرتنا يحيلنا إلى قوالب القصيدة وتجريبها، ومدى إيمانها بوجود قالب هندسي جاهز.

عن ذلك تحدثنا الشاعرة “تعدد القوالب الشكلية في الشِّعر أو نموها زمنيًا -بدايةً بالعمودي، وانتهاءً بالنثر- أو وجودها العشوائي أيضًا دلالة على قدرة وتمكن الكاتب من ألوان متعددة فنيًا، ونجاحه ‘شاعرًا‘ في طرق أبواب مبدعة، إضافةً إلى روحِ تجريبٍ مغامرة. وقد يكون ذلك صحيحًا، وقد يكون غير صحيح. فالبعضُ بدأ من حيث انتهى الآخرون، وكوّن شريحةً راقية ومتذوقةً فنيًا، لذلك أنا لا أجزم بما ذكرته بدايةً لكنني أميل إلى الموسيقى المتماهية في لغةٍ جيدةِ السبك، وأظنُّ أن سلطة الشكل تابعة لثقافة الكاتب/ الشاعر، فـللزمن والظروف والقراءات والاطلاع والرؤى علاقة بسيادة شكلٍ ما. لذا يطفو -أحيانًا- شكلٌ ويختفي آخر، مثلاً: مازال العمودي خطابا جماهيريا، ومازالت الذاتية اللانهائية مفتوحة ورشيقة في قصيدة النثر، لكن في كل الحالات علينا ألا ننشغل بالصوت ونترك الدلالة.

الكتابة لن تنقذ العالم ولكنها ستؤرخ لجحيمه

وأنا أكررُ دائمًا: النصُّ نَفْسٌ شاعرة، واعيةٌ بأنه يحتاج إلى تحديد الرؤية وتكثيف الصورة، فالنص رؤيةٌ ودلالةٌ قبل أن يكون صوتًا، لا بدّ أن نفتتن بالصورة والرؤية ثم الدلالة، لا يشترط أن تكون دلالاتنا لا نهائية، يمكن أن تتفاوت لتتناسب مع الحالات الشعورية، يمكن أن تتخفف للمتلقي العادي وتتعقد للناقد.. في النهاية لنكتب قصائد نثرٍ وتفعيلة رشيقة، لننطلق بنصوص مفتوحة المدى، ونتنفس”.

تؤرق ضيفتنا الأسئلةُ التي تؤرقُ الإنسان عادة، بمعزل عن جيله الشعري وانتماءاته، تلك الأسئلة المفتوحة والدائمة والمستمرة عن الوجود والمستقبل؛ تقول “تؤرقني الأسئلة عن الأطفال الذين نحملهم إلى هذا العالم، وعن الضياع والتعب، واللا جدوى، وعن الأحلام التي ستبقى معلقة في برزخٍ لا تشيخُ ولا تعيش، وعن خرائط تضيقُ، ومياه تنحسرُ، والأسئلة التي تنسكبُ في أفولِ فزعٍ، ولغةٍ أشبهُ بمواجع الأرضِ وولاداتها المتعسرة، وعن الأمل الذي يأكله الغيابُ فينشق له سطحٌ حارقٌ وخاتمةٌ غريبة في كفِّ القلق. يجب أن أتوقف عن هذا الاسترسال. ولكن أسئلة الشعراء تأتي محملة بحكاية الإنسان، ومناصرة ضمنيًا لأوجاعه الطرية، وملجأ لبعض الأمزجة التي يليق بها التنفس، لذلك أعتقد أن الشعراء على الامتداد الزمني سيحملون ذات الأسئلة مطبوعة بأختام أماكنهم وأزمانهم”.

ترى رقية مهدي أن الهمّ الإنساني والعربي أصبح يسيرُ في الشارع، بين الأزقة، وخلف الأبواب المغلقة، وأمام السماء. تقول “أصبحتْ كل القضايا قضية كبرى، وكل الهموم موازية لبعضها في عرقلةِ الحياة! فالصوت الشعري القومي امتزج مع الانكسارات، والانحسارات العربية، والتحولات الشعرية التي أصبحت تتحرك في مناطق أخرى! والقومية نزلت لتصبح أخت اليومي فما عاد حضورها استنهاضيًا ولا وعظيًا، فالصوت الجماهيري الخطابي تلاشى لأنه يأخذ القصيدة ليجعلها ذات وظيفة اجتماعية خالصة وهذا يعزز التيار الواقعي، وأعتقد أن النص الحديث تجاوز الواقعية وما بعدها ليصل لآفاق أخرى! وربّما يتجلى ذلك في قصيدة النثر -تحديدًا- وسردياتها المفتوحة التي احتضنت الهم الإنساني بتعدداته، فاتسعت أفكارها وموضوعاتها، وبالتالي أصبح حضور القومية رمزًا بعيدًا عن التضخيم، والأضواء المتفردة”.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر