الثلاثاء 26 سبتمبر/ايلول 2017، العدد: 10763

الثلاثاء 26 سبتمبر/ايلول 2017، العدد: 10763

فقه الفقه بدلا من سيف داعش المطل من المكتبة

لو عني جامع كتاب 'هذا حلال.. وهذا حرام' ومحققا 'كتاب الكبائر' بفقه الفقه وتدبُّر مقاصد الشريعة، لهداهم الله إلى قراءة روح العصر، فلا يجد القتلة باسم الله طريقا مفتوحا ينتهي بعصر الردة الداعشية.

العرب سعد القرش [نُشر في 2016/07/12، العدد: 10332، ص(9)]

ربما لاحظ قارئ “العرب” إشاراتي، في مناسبات دينية، إلى بعض محتويات مكتبة الصبا من مجلات وكتب إخوانية وسلفية اشتريتها قبل أكثر من 35 سنة.

كلما رجعت إلى القرية وتأملت هذا الجانب من تاريخي الخاص أحمد الله على النجاة؛ فبعض هذه الكتب كاف لدفع قاطع طريق إلى توبة يسهل أن تقترن بالقتل في سبيل الله. لا يحتاج قاتل إلى بصيرة، إذ يتسلح باليقين، وينزع الله من قلبه الرحمة وحب الجمال، ويمارس غلوا يؤكد له جدارته بالتوبة، ولو عن رؤية رأس تمثال من الجبس، في فناء المدرسة الإعدادية، لا يكتمل إيمانه إلا بتدمير هذا الرأس البشري. هكذا شرحت لزميلي محمد الغمري رحمه الله، مستندا إلى كتاب “هذا حلال.. وهذا حرام” لعبدالقادر أحمد عطا الذي أثلج صدورنا، حين كتب في مقدمة كتابه أنه يسد “النقص” في كتاب يوسف القرضاوي “الحلال والحرام في الإسلام”، وكنا نتندر قائلين إن عنوانه الأدق هو “الحلال والحلال في الإسلام”، وجاء عطا ليطمئن قلوبنا بالتشدد، ويقول إن القرضاوي “تساهل في الكثير من القضايا… نتدارك النقص… حتى تتضح الرؤية، وينكشف النفاق” الذي يمارسه “الأقزام” من مروجي “عفن الدعارة المقنعة باسم التقدمية”، ومن “الأفاقين الناعقين.. المؤلهين للأسفلين من دعاة الفرعونية البائدة”.

لم يشغلني من هم دعاة الفرعونية، ولكن ظلال الكلمة تحيل إلى “فرعون ذي الأوتاد”، وهذا وحده كاف لطلب توبة أخرى عن ذنب لم أرتكبه، وتغيير “المنكر” ما استطعت إلى ذلك سبيلا، وأنا أستطيع، والسبيل يدي. أعطاني محمد الغمري كوريك صغيرا، وتسلقنا السور في يوم جمعة، كنا وحدنا في مواجهة رأس “صنم” لا يقاوم، وتفتت في نصف دائرة، استجابة لما جاء في باب “الصور والتصوير” في كتاب يرى أن “الواقع الأليم لرقعة بلاد الإسلام في ثلاثة عشر قرنا.. إنما جاء نتيجة الاستجابة لتقاليد وأخلاق أهل الشرك والإلحاد”، ومن هذه الأخلاق التصوير والنحت، وقد أخرج الشيخان حديثا يقول “إن الذين يصنعون الصور يعذبون يوم القيامة، يقال لهم: أحيوا ما خلقتم”.

ولم نفكر في تلك السن أو نبحث عما إذا كان مصور أو نحات قد ادعى أنه “خلق” شيئا يستحق عليه هذا العقاب، ولكننا اهتممنا بقول المؤلف إن التصوير مختلف في أمره، وهناك إجماع على تحريم تصوير الحيوان، لأنه من “الكبائر”، إلا إذا امتهن وابتذل بأن كان في بساط يداس بالأقدام، ولا يرى بعض السلف بأسا بالصور التي لا ظل لها، ولكن النووي قال “هو مذهب باطل، لأن الستر الذي أنكره رسول الله لم تكن الصورة فيه ذات ظل”، وقياسا على نظرية الظل يكون حكم الصور الفوتوغرافية، “أما التماثيل المجسمة فهي كبـيرة من الكبائر بالإجماع”.

أغلق كتاب “هذا حلال.. وهذا حرام”؛ لأنه يغلق باب الرحمة، يسهل الآن أن أسميه “هذا حرام.. وهذا حرام”، وكنا نتسابق إلى تحريم الحلال، وفي أحسن الأحوال نتهاون فندفع الحلال إلى باب المكروه، وننقل المكروه إلى باب الكبائر، ونجد في “كتاب الكبائر” غذاء لهذه السادية، ولا ننتبه ولا يعنينا أن بعض هذه الكبائر ينتمي إلى التاريخ، ويخاصم تطور الأخلاق البشرية.

ثلاثة أسماء يحمل كل منها لقبا رنانا وراء شرائي “كتاب الكبائر.. تأليف فريد دهره ووحيد عصره الإمام المجدد الشيخ محمد بن عبدالوهاب رحمه الله ورضي عنه”، كما جاء على غلاف الكتاب الذي أقرأ فيه تحت عنوان “باب إباق العبد” حديثا رواه مسلم عن جرير بن عبدالله مرفوعا “أيما عبد أبق فقد برئت منه الذمة”.

محققا الكتاب من ثلاث مخطوطات لم يعلقا بكلمة عن سياق هذا الحديث. لا أتوقع استنكارا بل إيضاحا وقراءة لمشهد تاريخي عام كان فيه العبيد إحدى أدوات الإنتاج. لم يخطر ببال أي منهما أن روح الشريعة سمحاء، وأنها تدور مع ما ينفع الناس وجودا وعدما، وأن القوانين ومواثيق حقوق الإنسان العالمية حرمت الرق منذ القرن التاسع عشر. ربما لا يعلمان أن أوصياء على الدين والدنيا استفتاهم الخديوي إسماعيل في حظر تجارة الرقيق فاحتجوا، وجادلوا بالتي هي أسوأ زاعمين أن المنع يخالف النص، ولكن الوالي المستنير انتصر للعقل والمستقبل، وعزل المفتي، وهدد بإلغاء هيئة عموم العلماء إذا أصروا على بقاء الرق، ووقع مع بريطانيا عام 1877 معاهدة تنهي تجارة الرقيق.

أعيد الكتابين إلى المكتبة. أنفض عنهما التراب ولا أملك سحرا ينزع منهما السيف الداعشي الذي يمنح قارئهما حجة ممارسات خشنة، تبدأ بالتعنيف اللفظي وربما تنتهي بالقتل.

لو عني جامع كتاب “هذا حلال.. وهذا حرام” ومحققا “كتاب الكبائر” بفقه الفقه، وتدبُّر مقاصد الشريعة، لهداهم الله إلى قراءة روح العصر، فلا يجد القتلة باسم الله طريقا مفتوحا ينتهي بعصر الردة الداعشية، وإقامة أسواق للرقيق، وأسر أبرياء لم يشاركوا في حرب، “جريمتهم” أنهم لا يدينون بالإسلام الذي لا يعادون أهله، ولا يحملون سلاحا في وجه أحد، وقد أصبحوا ضحايا خيار إكراهي يخالف آية “لا إكراه في الدين”.

ألوذ بكتاب «فقه السنة»، وهو ليس كتابا. هذا العمل بمجلداته لا يكاد يخلو منه بيت، وكنا نعتبره الدليل الأهم بعد القرآن، نلتمس فيه “الحقيقة”، كما نلجأ إلى القاموس عند الاحتكام إلى صحة كلمة. لا نقرأ المعجم اللغوي بالترتيب، وظل كتاب السيد سابق هو المعجم الفقهي الذي نفتحه على باب الشك لكي نسده، وبعد هذا العمر أنتبه إلى أن له “مقدمة.. للإمام الشهيد فضيلة الأستاذ حسن البنا”.

سيرد اسم السيد سابق في شهادة لسليمان فياض عن عمله بوزارة الأوقاف سكرتيرا للجنة “الدفاع عن الإسلام”، مع سابق ومحمد الغزالي، وفي إحدى جلسات تلك اللجنة “قدم الشيخ الغزالي ورقتين معدتين من قبل يستعرض فيهما ‘أولاد حارتنا’ من زاوية الاتهام وحدها… كانت الإدانة لأولاد حارتنا في غيبة من الدفاع والمتهم. ومنذ ذلك الحين وقصة التكفير والاتهام بالإلحاد لا تتوقف”، كما شهد فياض.

أقفز من باب إلى آخر، لا أستغرب من حكم السيد سابق بأن المرتد “مستحق للقتل”، لا يرث، وتنقطع علاقته بزوجته ويتم التفريق بينهما، ويفقد الأهلية بما فيها سقوط حقه في تزويج بناته. وعن حكم من يترك الصلاة “تكاسلا أو تشاغلا عنها، بما لا يعد في الشرع عذرا فقد صرحت الأحاديث بكفره ووجوب قتله.. قال الشوكاني: والحق أنه كافر يقتل. أما كفره فلأن الأحاديث قد صحت أن الشارع سمى تارك الصلاة بهذا الاسم”.

هنا يكون ناقل القتل قاتلا لا يسعفه دليل قرآني على وجوب القتل.

ترك المرتد فريسة لمصاصي الدماء سيليه قتل لتارك الصلاة. سئل متولي الشعراوي عن الصوم بلا صلاة، فانفعل قائلا إن تارك الصلاة يسأل: “إن كنت منكرا للحكم تقتل حدا. تبقى كافرا.. وإن كان كسلا يستتاب ثلاثة أيام ثم يقتل”. هذه الفتوى الشعراوية سارية، يعيد إنتاجها “دعاة وسطيون” منهم الحبيب علي الجفري أو علي الجفري الحبيب، فلا أدري أيهما الاسم وأيهما الصفة.

روائي مصري

سعد القرش

:: مقالات أخرى لـ سعد القرش

سعد القرش

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر