الاربعاء 16 اغسطس/اب 2017، العدد: 10724

الاربعاء 16 اغسطس/اب 2017، العدد: 10724

درس الروائي

لأن للرواية وجها مخفيا، وصورة مفترضة مفارقة لتحققها الكتابي، فإن الحديث عن النصوص المفردة أو المتسلسلة بات تقليدا روائيا متواترا.

العرب شرف الدين ماجدولين [نُشر في 2016/07/13، العدد: 10333، ص(15)]

حين كتب أمبرتو إيكو “حاشية على اسم الوردة” فليعرف قارئ الرواية على مشغل الكتابة، وليبين له أن الرواية ليست وليدة فكر ومعرفة ومهارات أسلوبية، ولا نتاج موهبة في نحت النماذج البشرية وابتداع الأحداث والمواقف والأقدار فحسب، كل تلك الأشياء التي تبدو أساسية، قد تتحول إلى إمكانيات هامشية دون أدنى قيمة، إن لم تشفع بعمل مضن على الطبائع والأعراق والبلدان والعقائد والأساطير واللهجات؛ عمل يتحول فيه الروائي إلى باحث عن الجذور في عمق الأشياء. حاول إيكو أن ينفذ إلى الأذهان أن الرواية مجال رمزي معقد، قد تستند إلى وضعيات مجتمعية عارضة، لتكوين مبنى مجازي متوار هو الذي يكسب الصيغ التخييلية للروايات المختلفة كنهها الإنساني الفريد، وهي المحصلة التي حدت به لكشف الاحتمالات التي وضعها لإماطة اللثام عن مراحل إنجاز روايته الشهيرة “اسم الوردة” من العنوان إلى النهاية، مبرزا ما بدّله وما حذفه وما أجله وما حوله إلى صيغ مخفية، كاشفا أسرار الغواية والإيهام والاستدراج إلى المحتمل.

ولم يكن درس إيكو خارج مدارات قراءة الرواية، بل في صميمها، ويمكن نعته بـ”دليل القارئ إلى الصنعة”، حيث يخمن الروائي أسئلة قرائه حول احتمالات المعنى، ويسعى إلى تفكيك الهيكل المتلاحم إلى مقومات ما قبل البناء، لتسديد المقاصد، وترشيد التأويلات، لتتواءم والصور الأصلية المتخيلة في ذهن الروائي، وليس كما تتمثلها مدارك القراء، بمقاماتهم العديدة، من نقاد إلى متلقين هواة…

ولأن للرواية وجها مخفيا، وصورة مفترضة مفارقة لتحققها الكتابي، فإن الحديث عن النصوص المفردة أو المتسلسلة بات تقليدا روائيا متواترا، جعل عددا كبيرا من مشاهير هذا الفن يتحولون إلى منظرين ونقاد ومؤرخين، متدخّلين في تكوين المجال التداولي للرواية، ومحددين لمقاصدها وإمكانياتها، وبتعبير أدق باتوا معلمين لفن “قراءة الرواية”. هكذا نجد هنري جيمس يضع مقدمة طويلة لروايته الشهيرة “السفراء” لبيان العلة من التصوير الروائي وطاقته التمثيلية للحياة، اختزلت تصوره عن الرواية والواقع والأسلوب، وهي المقدمة التي ألهمت عددا كبيرا من نقاد الرواية منذ بدايات القرن الماضي، كما حدد المسار الذهني لرواياته لسنوات طويلة.

ولم يكن صاحبا نوبل للآداب ماريو بارغاس يوسا (في “رسائل إلى روائي شاب”)، وأورهان باموك (في حديثه عن “الروائي الساذج والحساس”) بعيدين عن مسعى تكوين دليل لقراءة الرواية المعاصرة، وتحديد آفاق اختراقاتها الإبداعية، كما لم يزغ ميلان كونديرا في “فن الرواية”، ثم كتاب “الستارة”، عن هدف تجاوز الحصيلة الروائية المتحققة إلى آفاق تداولها، كان ثمة وعي مربك بأن سياق التلقي يحتاج دوما إلى كلام الروائي عبر ذاكرته النصية، لقول ما لا يشغل النقاد عادة عن الحياة الأخرى للرواية، ومن حيث هو أولا وأخيرا قارئ للرواية.

كاتب من المغرب

شرف الدين ماجدولين

:: مقالات أخرى لـ شرف الدين ماجدولين

شرف الدين ماجدولين

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر