الخميس 19 يناير/كانون الثاني 2017، العدد: 10517

الخميس 19 يناير/كانون الثاني 2017، العدد: 10517

البحث عن الثقافة البديلة

إن الإرهاب والتطرف وكل الظواهر العنيفة تقتضي العمل على إرساء ثقافة أخرى؛ ديمقراطية، شفافة، تستند إلى مكتسبات الحضارة الإنسانية بأفق مفتوح.

العرب أمير العمري [نُشر في 2016/07/13، العدد: 10333، ص(16)]

الدولة المصرية فتحت كل الأبواب أمام القطاع الخاص ورجال الأعمال والاستثمارات الخاصة، وهي تتحدث كثيرا عن “الانفتاح” و”اقتصاد السوق” و”العرض والطلب” و”الخصخصة”.

إلاّ أن الشواهد كلها تؤكد أن قبضة الدولة لا تزال قائمة، من الخلف، أي خلف كل رأسمال خاص أو رجل أعمال يحصل على شريحة كبيرة من السوق، تقف الدولة الرسمية أو ممثلو الدولة لحسابهم الخاص.

ولم يعد سرا أن المال اختلط بالسياسة، وأصبحت العلاقة وثيقة بين الاثنين: من ينجح في السوق عليه أن يؤدي الضريبة في السياسة، عادة إلى أفراد نافذين ومتنفذين في دولاب الدولة، وهذا ما ينكشف عنه الغطاء يوما بعد يوم في قضايا الفساد الشهيرة.

وفي الثقافة تتبع الدولة سياسة مشابهة، فهي تعلن أنها مع تشجيع المجتمع المدني والمبادرة الفردية، لكنها لا تبدي عمليا ما يشير إلى أنها حقا مع هذا الاتجاه، بل على العكس، فهي تظل قابضة بقوة على كل مواقع الثقافة، رافضة دعم التجمعات المستقلة المحدودة التي سمحت لها بالوجود، بل تبحث يوما بعد يوم عن أي وسيلة لتحجيم وتخويف ما يسمى بـ”جمعيات المجتمع المدني” بدعوى حصولها على تمويل خارجي، في حين أن لا أحد يمكنه الحصول على فلس واحد من الخارج بعيدا عن رقابة الدولة.

وفي حين تمارس الدولة، ممثلة في وزارة الثقافة المصرية، احتكارا للسلطة الثقافية، يعلن وزراء الثقافة واحدا بعد الآخر وقد شهدت مصر سبعة منهم خلال السنوات الخمس الأخيرة، أن الوزارة لا تحتكر العمل الثقافي، وأنها لا تريد أن تنتج الثقافة، بل إن دورها تنظيمي فقط، في حين أنها تحتكر الأطر الأساسية للعمل الثقافي وتفرض ما تريده سواء من خلال الرقابة أو استبعاد كل مثقفي المعارضة المدنية الحقيقية من الساحة والانفراد باتخاذ القرارات، كما تمتلك المال الذي تضن به على الجمعيات والتجمعات الثقافية، وتواصل دعم تظاهرات ومهرجانات كثيرة ثبت أن لا جدوى منها، فهي لا تخدم في الواقع سوى جيوش هائلة من موظفي الوزارة.

إن تحرير الثقافة ليس مجرد كلمات، ولا شعارات، بل موضوع يرتبط أساسا بقضية الحرية في المجتمع بشكل عام.

لا شك أن للدولة دورا مهما في دعم الثقافة في العالم الثالث، ولكن هذا الدور لا يتحدد على أساس من معي (أيديولوجيا وسياسيا) أساعده وأمده بالمال وأسمح له بالوجود والانتشار، أما من يعارضني ويختلف معي فهو ضدي بالضرورة، يستحق أن أصادر حقه في الوجود المستقل، وأمنع عنه الماء والهواء، وأحظر ظهوره في أجهزة الإعلام المرئية والمسموعة كما يحدث بالفعل، فالثقافة المسموح لها بالوجود هي الثقافة التي تجاري السائد في المجتمع بدلا من الدعوة إلى تغييره، والتأسيس لثقافة أخرى تدريجيا تحل محل ثقافة “الموالاة” السائدة التي أثبتت إفلاسها.

إن مشكلة المثقف الديمقراطي المستنير أنه أصبح بلا مؤسسات عامة أو خاصة تحتضنه، يجد نفسه داخلها، يعبر من خلالها دون أن يخشى الهجوم المزدوج عليه: أولا من جانب المؤسسة الرسمية التي تعادي كل ما هو مستقل عنها أيديولوجيا كما ذكرت، وثانيا من جانب جماعات التطرف والتشنج الفكري التي لا يزال لها وجود داخل الكثير من المؤسسات العامة.

إن الإرهاب والتطرف وكل الظواهر العنيفة تقتضي العمل على إرساء ثقافة أخرى؛ ديمقراطية، شفافة، تستند إلى مكتسبات الحضارة الإنسانية بأفق مفتوح، ولكن ليس من الممكن الحديث عن الديمقراطية مع تجاهل برامج التعليم والإعلام والفكر الديني الذي يقاوم بشدة أي محاولة لتحديث الخطاب السائد بما يتناسب مع العصر.

ومع ذلك، تظل المشكلة قائمة طالما أن الدولة لا تريد التخلي عن مفهوم “التوجيه” و”الإرشاد” الذي ساد منذ الخمسينات وسيطر على أجهزة الإعلام والتعليم والثقافة الرسمية، ولا يبدو بالتالي، أن الدولة ستتخلى على المدى القريب، عمّا تمكنت من احتكاره منذ عقود، وتظل المعركة الضرورية مؤجلة، من أجل تحرير الثقافة وإعادتها إلى المثقفين الديمقراطيين.

ناقد سينمائي مصري مقيم في لندن

أمير العمري

:: مقالات أخرى لـ أمير العمري

أمير العمري

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر