الاثنين 23 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10790

الاثنين 23 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10790

إشاعة وفاة الرئيس

إشاعة وفاة الرئيس أكدت حقيقة مهمة، وهي أن تعميم الحرية لا يعني تعميم القيم الأخلاقية، وأن الصراعات السياسية عندما تكون بلا أخلاق تعطي المبررات الكافية لقمعها من أجل سلامة الوطن.

العرب الحبيب الأسود [نُشر في 2016/07/13، العدد: 10333، ص(24)]

بينما كان يقضي بعض سويعات الراحة والاستجمام في منتجع الحمامات السياحي، فوجئ الرئيس التونسي بانتشار إشاعة وفاته على مواقع التواصل الاجتماعي، ثمّ بتلقيه العشرات من المكالمات الهاتفية الواردة عليه من الداخل والخارج للاستفسار عن صحته والاطمئنان عليه، ما دفع بمستشاريه والمقربين منه إلى أن يفندوا الإشاعة عبر وسائل الإعلام، ويؤكدوا أنه بخير، وأنه لم يتعرض لأزمة صحية، ولم يُنقل إلى الخارج على جناح السرعة كما قيل، وبعد ساعات عاد الباجي قايد السبسي إلى قصر قرطاج واستأنف نشاطه اليومي، ولكن شعوره بالاستياء كان واضحا، فمن روجوا لشائعة وفاته، هم الذين يتمنون له أن يختفي من المشهد السياسي، وهم الذين يحسدونه على طول عمره ودوام عافيته وهو في التسعين من عمره، وهم الذين يصرون على تذكيره دائما بأنه بلغ من العمر عتيا.

إشاعة وفاة الرئيس أكدت حقيقة مهمة، وهي أن تعميم الحرية لا يعني تعميم القيم الأخلاقية، وأن الصراعات السياسية عندما تكون بلا أخلاق تعطي المبررات الكافية لقمعها من أجل سلامة الوطن، وعندما لا تجد من يقمعها تتحوّل إلى لعنة على الجميع، أولى ضحاياها هيبة الدولة التي تنهار بانهيارها قيم وروابط المجتمع.

وما قاله الرئيس السبسي من أن بلاده لم تشهد منذ استقلالها حالة تدهور سياسي وأخلاقي كالتي تعيشها حاليا، لم يجانب الصواب، فقد اختلط الحابل بالنابل، والصالح بالطالح، والداخل بالخارج، والدين بالسياسة، والمال بالسلطة، والحقيقة بالوهم، والوطنية بالخيانة، والمصالح والحسابات بالمبادئ والشعارات، وباتت مواقع التواصل الاجتماعي وصفحات الإنترنيت تقوم مقام الإعلام المأجور والموجّه لتخترق المجتمع، وتبث الفوضى، وتثير النعرات، وعندما تسعى الحكومة لصدّها عن ذلك، ترتفع الأصوات المنددة بما تعتبره ضربا لحرية التعبير، وتجد تلك الأصوات من يدعمها في الخارج، فإذا بالسلطات المحلية تتراجع عن موقفها خوفا على نفسها من تهمة مصادرة الحريات وتهديد ما يسمى بالنموذج الديمقراطي الفريد.

الرئيس التونسي المنزعج من وصول الأمر إلى حدّ فبركة خبر عن وفاته، يحق له أن ينزعج أكثر مما يتم ارتكابه يوميا باسم الحرية والديمقراطية، من تحريض مباشر على الدولة، وانتهاك لقيم المجتمع، وهتك للأعراض، وتدمير لقيم الانتماء، ومتاجرة علنية بمقدرات الوطن، ومن تلميع للإرهاب والقائمين عليه، وتحويل البلاد إلى مربعات أيديولوجية لخدمة مصالح حزبية وفئوية تتجاوز الحدود إلى ما وراءها، ومن فتح ثغرات في جدار الوطن يتسلل منها سرب من الغربان الناعقة.

الشائعات والأكاذيب سلاح الحروب الجديدة وقد أطاحت بغير الرئيس الحالي يوم أُريد لها ذلك، ومسؤولية السبسي اليوم تحتّم عليه أن يعمل من أجل التصدي لهذا التدهور حتى لا يربطه التاريخ بمرحلة هو أحد أبرز الفاعلين فيها.

الحبيب الأسود

:: مقالات أخرى لـ الحبيب الأسود

الحبيب الأسود

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر