الثلاثاء 25 يوليو/تموز 2017، العدد: 10702

الثلاثاء 25 يوليو/تموز 2017، العدد: 10702

غاليري صالح بركات: رؤيا تضيء لبنان والمنطقة العربية

  • لم يحد صالح بركات صاحب “غاليري أجيال الفنية” عن رؤيته لبيروت كحاضنة ومُبلورة للتيارات التشكيلية الحديثة والمعاصرة على أنواعها، على الرغم من تتالي الأزمات وتعدد أشكالها في لبنان، ظل يراها كما أرادها وأحبها للمرة الأولى: متوهجة، ونزقة، مزاجية ولكن رحبة، تفرد ساحاتها التفاعلية لتتألق فيها حرية التعبير وخاصة حرية التعبير الفني.

العرب ميموزا العراوي [نُشر في 2016/07/15، العدد: 10335، ص(17)]

قاعة عرض بخلفيات تاريخية

بيروت - رغم ولادة وحضور عواصم عربية أخرى على الساحة الفنية التشكيلية مثل دبي وأبوظبي حين كانت بيروت تغوص في تمزقاتها الداخلية وتنوء تحت حمل الاعتداءات الخارجية، إلاّ أن ذلك لم يشكل نهاية للأفق الفني التشكيلي في لبنان، بل على العكس، بقي لبنان وبيروت بشكل خاص يغليان بالتجارب التشكيلية اللبنانية والعربية على السواء وبالمبادرات الفردية التي كانت ولا تزال أكثر ما يميز “التجربة البيروتية”، إذا صح التعبير.

ولعل إقدام الفنان اللبناني صالح بركات على خطوة افتتاح صالة فنية رحبة تحمل اسمه، والتي هي ربما الأجمل في لبنان، وفي أحد أعرق الشوارع البيروتية، شارع “كليمنصو” الذي شهد أياما ذهبية في فترة الستينات وبداية السبعينات، خير دليل على قوة العزم وهذه النظرة المتفائلة، التي تمرست خلال ما لا يقل عن ثلاثين سنة، على تحدي جاذبية السقوط إلى عتمة الأعماق لصالح السباحة على مسافة علو طفيف فوق سطح البحر وتحت أشعة الشمس الضاحكة.

ليس في ذلك أي غلوّ، خاصة إذا ذكرنا أن صالح بركات هو من مواليد 1967، أي هو من جيل الحرب بامتياز، لم يهاجر لبنان كغيره رغم استطاعته ذلك، لإكمال دراسته الجامعية بعد تخرجه من الجامعة الأميركية، حيث درس إدارة الأعمال.

اختار بركات أن يبني مشروعا خاصا به فأسس صالة “أجيال الفنية” في بيروت سنة 1991 في زمن كانت فيه بيروت تشهد استمرار إغلاق الصالة الفنية وانكفاء الحياة الثقافية.

عكف صالح بركات على جعل صالة “أجيال” ملتقى لحركة فنية ناشطة ومحرضة على الابتكار الفني والتعبير الحر، ومع مرور الوقت، تحديدا بعد مرور 25 عاما على هذه الصالة الناشطة، أقرّ صالح بركات بضرورة العثور على مساحة أوسع ذات سقف أعلى لتستضيف وعلى أكمل وجه ممكن الأعمال الفنية المعاصرة التي تتطلب أكثر من سابقاتها مساحات أرحب.

هكذا انبثقت صالة “صالح بركات الفنية” من صالة “أجيال” الكامنة في أحد متفرعات شارع الحمرا، ولكنها، أي صالة “أجيال”، ستبقى مُستمرة وناشطة كما كانت قبل افتتاح الصالة الجديدة.

المتابع للمعارض التي أقيمت في السنوات الأخيرة في صالة “أجيال” سيتذكر بضعة معارض غصّ بها فضاء الصالة، بالرغم من توظيف المكان المتاح للعرض بشكل ذكي، نذكر منها معرض الفنانة سمر مغربل، حيث قدمت مجموعة من المجسمات السيراميكية لا يتعدى ارتفاع كل منها الـ45 سنتمترا تجسد بيوت بيروت التراثية وخلفها مجسمات مستطيلة متفاوتة العلو ومطلية باللون الأسود، تمثل الأبنية الحديثة التي ألقت بثقل ظلها على بيوت سمر مغربل السيراميكية.

صالح بركات عكف على جعل صالة «أجيال} ملتقى لحركة فنية ناشطة ومحرضة على الابتكار الفني والتعبير الحر

ونذكر أيضا معرضا للفنان التشكيلي الفلسطيني عبدالرحمن قطناني الذي قدم تشكيلا مميزا من الأسلاك الشائكة ارتفعت كهيئة إعصار ضخم من أرضية الصالة حتى سقفها، لتبدو كإعصار مخنوق بعض الشيء بسبب انخفاض علوّ سقف الصالة.

عندما كان صالح بركات يود أن يقيم معرضا استيعاديا كبيرا أو معرضا له ثيمة خاصة كان يلجأ إلى استعارة أماكن عرض أخرى أكثر رحابة مثل “مركز بيروت للفن” و”مركز بيروت للمعارض”، ومن المعارض الكبيرة التي قدمها نذكر المعرضين الاستيعاديين الكبيرين للفنان التشكيلي شفيق عبود وللفنانة-النحاتة سلوى روضة شقير.

ومع إقفال “مركز بيروت للمعار ض وتفرغ “مركز بيروت للفن” للأعمال الفنية التجريبية التي اختص بها منذ بدايته، كان على صالح بركات أن يجد منفذا آخر لتحقيق مشاريعه الفنية، وعندما علم بأن فضاء مسرح المدينة القديم معروض للبيع سارع إلى شرائه ليس فقط بسب اتساعه، بل بسبب خلفيته التاريخية.

هناك صالات فنية افتتحت حديثا في بيروت غير صالة صالح بركات، غير أن ما يميز هذه الصالة عن أكثرها هو أن مؤسسها شغوف دأب على صقل اهتمامه بالفن ورفده بالمعرفة خلال ما لا يقل عن 25 سنة، وهو صاحب رؤية واضحة شيّد ولا يزال على أساسها مشاريعه ومعارضه الفنية.

فبالرغم من اهتمامه وتقديره الكبيرين للفن العالمي، فهو لا يعتبر ذاته معنيا بالترويج لهذا الفن، ما يهمه هو تسليط الضوء على الفن اللبناني وعلى فن المنطقة العربية.

يذكر صالح بركات أنه سعى منذ فترة طويلة للعثور على مساحة أرحب من صالة “أجيال”، لكنه لم يكن ينوي أبدا أن يأخذ مساحة بهذا الحجم الهائل، فالصدفة

وحدها مهدت لذلك، فمن المعلوم أن المكان الذي أصبح الآن “صالة صالح بركات” كان سابقا “سينما كليمنصو”، المكان الأوّل في المنطقة العربية الذي عرضت فيه أفلام غير تجارية لكبار المخرجين السينمائيين من أمثال برغمان وفيلليني، وذلك قبل أن يتحول إلى مسرح المدينة القديم الذي لعب دورا ثقافيا مميزا هو الآخر، تحت إدارة نضال الأشقر، يقول بركات “حينما سمعت بوجود مشروع لتحويله إلى مستودع، انزعجت كثيرا، وقرّرت أن أفعل شيئا للإبقاء عليه كمعلم ثقافي”.

باختصار شديد؛ قدم هذا المكان ذاته من تلقاء ذاته لصالح، ففتح له ذراعيه ليبقيه صرحا ثقافيا يعج من ناحية بالذكريات الذهبية ويمد أوصاله إلى الحاضر من ناحية أخرى.

إن كانت للفراغ ذاكرة، فذاكرته من دون شك عابقة بأنفاس البشر الذين عبروا وبالأصوات التي ارتجت في الأثير، غير أن هذه الذاكرة المشغولة بروح هذا المكان التاريخي هي امتداد متحوّل يُثري الحاضر ولا يرثي الذي كان، هكذا يرى صالح بركات النوستالجيا التي يريدها أن تشاركه في الانطلاقة الناجحة للصالة، هكذا يفهم النوستالجيا، كما يقول “متألقة ومُتخففة دوما في قلب مدينة حاضرة ومستقبلية اسمها بيروت”.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر