الاثنين 20 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10818

الاثنين 20 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10818

ماء لبنان المعلق

للفنان إيلي كنعان لوحات يطوف فيها الحضور الملون قاب قوسين أو أدنى من التلاشي أو البعث، أما جوليانا ساروفيم فشكلت مدنا يحار الناظر إليها إن كانت سفنا أو مرافئ.

العرب ميموزا العراوي [نُشر في 2016/07/15، العدد: 10335، ص(17)]

مرّت على لبنان خلال هذه السنة ضغوطات اجتماعية واقتصادية وسياسية وبيئية خطيرة مرورا بالأذى الذي طال المرافق الحيوية، وصولا إلى تلوث البحر جرّاء أزمة النفايات. وبالرغم من ذلك ثابر اللبنانيون على إنقاذ صورتهم أمام ذواتهم وأمام العالم بشكل “تشنجّي” إذا صح التعبير، صورتهم القائمة على إيجابية “مائية” وغرائبية، حيث لا مبرر منطقيّا لها، فعلى سبيل المثال وضعت إدارة مسبح لبناني معروف إعلانا سرياليا عن “التجربة الجديدة” التي تقدمها لزوار المسبح، مع العلم أن أزمة النفايات بلغت أوجها في منطقة المسبح هذا بالتحديد.

وكثرت أيضا الإعلانات على المواقع الإلكترونية وعلى الشاشات التلفزيونية التي تحض على زيارة “مناطق خلابة” في لبنان، وهي أماكن في معظمها خارج الحزام الأمني.

كما عمدت محطة تلفزيونية إلى تخصيص فقرة تبث مع بداية كل نشرة أخبار تحت عنوان” بالرغم من كل شيء”، تعرض خلالها حدثا جميلا يتعلق بلبنان أو باللبنانيين لعلمها بأنها ستغوص مباشرة بعد هذه الفقرة في نشرة أخبار مُحبطة مبنية على حقائق لا تتعلق بزرقة البحر ولا بفيروز ولا بالتبّولة ولا بجبران خليل جبران. إنها “خلطة” لبنانية أصيلة، تذكر دائما بأن لبنان لا يزال يشبه اللبنانيين ويشبه اللوحات التي أُبدعت عنه وهو في “مائيته” قادر على تخطي الأعاصير المتربصة به على الدوام.

تميّز هذا البلد عبر الزمن، وفي اللوحات التشكيلية اللبنانية ذات الأساليب الفنية المختلفة، برؤيا مُشرقة ومُلتبسة في الآن ذاته، وبملامح رجاء عميق صامد على حافة منحدر بحريّ ضبابي تمرّس على جذب أشعة الشمس الداحرة للكآبة.

فالعيش طويلا، وطويلا جدا في كنف المؤقت الغامض، وتجاهل ظلال الأشياء القاتمة والضغط على الجرح النازف كي يستكين، والسكن في محميّة خيالية ما، أمور لم تبارح ذهن اللبناني وانعكست منذ زمن بعيد في لوحات صوّرت لبنان وكأنه من ماء رقراق كثير التقلبات ووفير الحظوظ على السواء، صوّرت المدن كما القرى كمواقع سحرية تطوف بين أحراش الصنوبر والنباتات الوحشية أو مُعلقة بين السماء والأرض.

أذكر هنا ما رسمه مصطفى فروخ، حيث الزرقة والخضرة في تماس شعري موقعه بيت قروي بسيط، وأذكر أيضا شفيق عبود الذي أبدع لوحات اختزل فيها معنى البحر وملمس الحجر وثقله، كما أذكر محمد قدورة في خيالاته البيضاء الأكثر حضورا من مصدرها التي تعكس تواطؤا ما بين البحر ونوافذ البيوت التقليدية وسكان شواطئه من صيادين منهمكين بأعمالهم أو تأملاتهم أو انشغالاتهم البسيطة.

وللفنان إيلي كنعان لوحات يطوف فيها الحضور الملون قاب قوسين أو أدنى من التلاشي أو البعث، أما جوليانا ساروفيم فشكلت مدنا يحار الناظر إليها إن كانت سفنا أو مرافئ.

لعل أصدق ما يمكن ذكره حول لبنان “كحالة مائية” جاء في لوحات وكلمات الفنان جميل ملاعب “خصوصية الأزرق هي أنه يحيط بنا من كل جانب، ولكنه بعيد عن متناولنا، لا نستطيع لمس زرقة البحر ولا زرقة السماء إلاّ في هذا التباين مترامي الأطراف والإحساس العميق بوحشة المسافات”.

هذه الكلمات مجسدة ببلاغة في لوحات حسن جوني ومدنه البحرية المُملحة بالأحلام والمحفوفة بالمخاطر الغيّبية والمُجنحة فوق البحر حينا والمتغلغلة فيه حينا آخر.

أذكر أيضا لوحات جوزيف مطر لقرى لبنانية جسدت هذا الميل اللبناني إلى الالتحاف برداء الزرقة الفضفاض والمفتوح على كل الاحتمالات حتى على التلاشي، ولكن مع الوعد بالظهور من جديد، كما تظهر الجزر لامعة بعد ليل عاصف.

اليوم، ودون أوهام، يسأل اللبناني ذاته أكثر من أي زمن مضى “ما هو لون البحر؟ “تماما كما تساءلت “زهرة” بطلة رواية مخصصة للحالمين كتبتها نادين توما صاحبة “دار قمبز” ووضعت رسوماتها الفنانة أريج محمود، أما القصة فتدور حول مدينة أضاعت بحرها حتى جاءت فتاة باسم “زهرة” لتسأل “شو لون البحر؟”، فحرّضت بهذا السؤال مجموعة من الأولاد كي يبحثوا عن البحر فيعيدوه إلى أصحابه بمساعدة عامل النفايات، لأنه الأعلم بكيفية الوصول إلى البحر، وربما إقناعه بالعودة إلى جوار مدينة تاقت إلى بحرها.

ناقدة من لبنان

ميموزا العراوي

:: مقالات أخرى لـ ميموزا العراوي

ميموزا العراوي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر