السبت 18 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10816

السبت 18 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10816

مذبحة الفلاسفة أم مذبحة مدنية العرب

  • منذ ولادة الفلسفة لم ينج ولو فيلسوف واحد من التهميش والتجاهل ومحاربة أفكاره، حتى أن الكثير من الفلاسفة تعرضوا للتصفية الجسدية بينما لم يحملوا لهذا العالم غير أفكارهم التي تسعى إلى تمثله وتمهيد طريق جديد للإنسانية، نجحت الفلسفة رغم كل ذلك في تمهيد طريق آخر للإنسان لكنها ظلت محل إنكار ومحاربة في مفارقة كبرى.

العرب أحمد برقاوي [نُشر في 2016/07/16، العدد: 10336، ص(15)]

المحاكمة جوهر الصراع

رواية “مذبحة الفلاسفة ” لتيسير خلف من الروايات العربية القليلة التي لا تتناول حكايات يومية معيشة في القرى، أو قصصا حدثت، ولا تنظّم ذكريات في إهاب روائي، بل وليست رواية تاريخية، إنها نص يجمع بين القول الفلسفي والتاريخي والفنتازي-الأدبي.

يشد عنوان رواية تيسير خلف “مذبحة الفلاسفة ” المشتغلين بالفلسفة على نحو خاص، فأن تكون هناك مذبحة بحق الفلاسفة، فهذا يعني أن صاحب المذبحة ينتمي إلى نوع من الهمجية التي لا تستطيع أن ترى العقل سيدا، وبين محاكمة سقراط ومحاكمة الفلاسفة تشابه واختلاف، التشابه في تهمة التمرد، أما الاختلاف فيكمن في أن سقراط الأثيني متهم بإفساد الشبيبة والنيل من الآلهة بينما تهمة الفلاسفة في الرواية هي أنهم حرضوا زنوبيا على التمرد على روما، روما التي يقول عنها لونجيتوس في المحاكمة إنها “إمبراطورية الشر والتعدي”.

المحاكمة هي جوهر الصراع بين تدمر العربية السعيدة بملكتها زنوبيا حيث حياة الأدب والفكر والتجارة والعمارة والمسرح، من جهة، وروما الإمبراطورية التوسعية التي يقف على رأسها إمبراطور معتد بقوته، لا يستطيع أن يرى واحة حرية مستقلة ومتحررة من الخضوع والهيمنة، من جهة أخرى، والحق أن هزيمة تدمر وسوق ملكتها مقيدة بالسلاسل إلى روما هزيمة للعقل وللحرية.

في نهاية المحاكمة التي ترأسها الإمبراطور أورليانوس ينطق هذا الطاغية بالحكم الآتي “بموجب التفويض الممنوح لي، من إله الشمس، أحكم أنا إمبراطور روما لوسيوس ديميتسيوس أورليانوس أغسطس على كل من كاسيوس انجيلوس الحمصي، وجنتليانوس أميليسوس الأثروي، وبوسانياس الدمشقي، وكليكراتس الصوري، ونيكوماخوس الكراسي، وفيليب السيثوبوليتي بعقاب اللصوص والسرّاق، وأعفو عن زنوبيا وابنها القاصر وهب اللاتوس، وعن كاهن تدمر الأكبر أنيابالوس جيرامس”.

ربما أراد المؤلف أن يبرز عظمة الخاضعين للمحاكمة: الملكة، والكهان والفلاسفة، بل ولربما كان الإمبراطور نفسه واعياً بالقيمة المعنوية لهؤلاء. ولكن كان يمكن أن يجري الأمر على النحو الذي كانت تجري به المحاكمات الرومانية.

ونتساءل لماذا جرى العفو عن اللاهوتي والملكة والابن القاصر، مع أن الملكة هي التي خاضت الحرب دفاعاً عن تدمر، والكاهن الأكبر هو العقل الأيديولوجي؟ ومن البديهي أن تجري تبرئة القاصر. وهنا نرى أن هذه المحاكمة تشير إلى خطر الفيلسوف الذي يولد العقل، بل هو أكثر خطورة من الملكة المنهزمة مرة وإلى الأبد.

الملكة التي ستقاد أسيرة برفقة كاهنها وابنها لن يعود لها حضور في الحياة، في حياة تدمر التي لم تعد تدمر، ولا في حياة الإمبراطورية، فيما هؤلاء الفلاسفة هم الذين يولدون الأفكار ويحضرون في عقول الناس. من هنا فإن الإمبراطور بوصفه سلطة يواجه سلطة خطيرة وقوية هي سلطة الفيلسوف، فكان لا بد له من التخلص من سلطة العقل التي هي السلطة المواجهة لسلطة السيف.

كل شخصية من شخصيات الرواية مفهوم بحد ذاته والمفهوم هو شخصية: زنوبيا الملكة المرأة هي السلطة المسالمة في المدينة الدولة السعيدة، الإمبراطور أورليانوس الطاغية الذي يستمد قوته من إله الشمس هو السلطة الإمبراطورية التعسفية، اللاهوتي خادم الآلهة لكنه بالمقابل خادم الملكة، الفيلسوف خادم العقل، المنحاز إلى مملكة الشمس السعيدة والدولة الفاضلة. وشخصية قُصي الكاهن العربي الشامي الجليل، الذي يحيلك مباشرة إلى ملك قريش مكة، حتى ليذهب بك الخيال إلى أن مكة: الدولة/ المدينة/ المعبد، هي الصورة الأخرى لتدمر المدينة/ الدولة/ المعبد. كذلك نجد أفلوطين الفيلسوف الروحاني الصوفي الزاهد، وجذيمة الانتهازي الخائن، إلى جانب شخصيات أخرى.

هذه الشخوص إلى جانب شخصية الراوي تنطق بالأفكار أكثر مما تنطق بالأحداث، حتى ليمكن القول إن تيسير قد قدم كتاباً في الفكر في إهاب روائي، رواية كل شخوصها أبطالها.

ولهذا من الصعب أن نعتبر الرواية تاريخية، ذلك لأنها لا علاقة لها بالسرد التاريخي. غير أن الفكرة الساطعة في الرواية تكمن في الكشف عن مكانة الثقافة العربية – السورية العالمية في القرن الثالث الميلادي.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر