الخميس 29 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10676

الخميس 29 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10676

تدويل الإرهاب من احتلال العراق إلى جرافة نيس

بعد عملية نيس هل ستكتفي أميركا بدفع طائرات دون طيار، وهل ستظل روسيا على عنادها في حماية عنف النظام السوري وتشريد الشعوب من أوطانها، وهل ستظل ولاية الفقيه الفوضوي بمنأى عن الحساب.

العرب حامد الكيلاني [نُشر في 2016/07/16، العدد: 10336، ص(8)]

شعبنا في العراق، بعد كل صدمة أو موجة تفجيرات، كأنه يستشعر الخطر المُحدق به بتوقيتاته الآنية، ثم تخفتُ حماسته بالإهمال الحكومي واللامبالاة وتمرير الأزمات السياسية وصناعة الإرهاب المنظم الشامل الذي يستهدف مفاصل العيش بالبطالة والتضخم ورداءة الخدمات وأزمة السكن المتفاقمة وانحدار الاقتصاد ومساوئ قطاعات التعليم والصحة.

كلمة أو مصطلح “التدويل” تحضر كرد فعل طبيعي للجماهير، لكن تتلقفه جهات معينة لترتقي ظهر الجَمَل المتعب وتترك حبله على غاربها من المكاسب المعنوية والسياسية وخلفياتها من مصالح وتشبث بالسلطة أو سعيا إليها؛ وليست ببعيدة عن الذاكرة حماسة “دولة” رئيس وزراء العراق السابق نوري المالكي، لتدويل تفجير وزارة الخارجية صيف العام 2009، لكن الحماسة سرعان ما بددتها تقلبات فصول الانقياد الأعمى لمشروع ولاية الفقيه، وعند هذا الحد توقفت الحملة الإعلامية العراقية ضد النظام السوري، ومعها ذهبت أدراج الرياح المعلومات والأدلة والحقائق والأكاذيب والتلفيقات وشهود الزور والمتهمون، لتعود العلاقات إلى أكثر من طبيعتها مع حكومة سوريا، وتعدتها إلى شجون خندق الأنظمة الواحد والميليشيات الموحدة تحت راية الطائفية، ثم تحولت إلى قمع الثورة السورية، وقتل الشعب السوري والعراقي عند تخوم المدن المحاصرة بالإرهاب وهمجية الانتقام الطائفي.

بيننا تفجير الكرادة، وهو جريمة إبادة بكل المقاييس، تبعا لعدد الضحايا ونوع السلاح المستخدم، ومن هول الكارثة يمكن الاستدلال على ضربة نوعية رافقها التخطيط في اختيار المكان والتوقيت لاستهداف أكبر عدد من المواطنين المتبضعين ليلا وفي شهر رمضان وقبل العيد بأيام؛ تصاعدت لغة التدويل مرة أخرى، وشهدت ساحات بغداد لافتات وصيحات لفتح التحقيق وكشف أسرار الجريمة التي هزت العديد من شعوب العالم بتضامن فردي أو تجمعات عفوية رُفعت فيها الأعلام العراقية على المباني أو العجلات؛ دون أي ردود فعل رسمية فاعلة على مستوى الحكومات أو المنظمات الدولية أو القانونية.

الردود انحسرت في قضية محاربة الإرهاب وما يمثله تنظيم داعش وتدعيم الجهد لمواصلة دحره بعد مجريات الأحداث في الفلوجة، ومنها زيارة وزير الدفاع الأميركي آشتون كارتر إلى العراق وتعهده بزيادة القوات الأميركية “الاستشارية” استعدادا للمعركة الفاصلة بتحرير الموصل قبل نهاية فترة حكم الرئيس باراك أوباما، وتواتر الرصد الجوي والتهيئة لاصطياد زعيم التنظيم أبي بكر البغدادي، وهو صيد ثمين بكل تأكيد ينسجم مع كاريزما البيت الأبيض الأميركي في معالجته للسياسة الداخلية وتكريس نتائج الانتخابات الرئاسية القادمة لمرشحة الحزب الديمقراطي؛ وأيضا مادة دسمة للإعلام وتوصيفات حجم المساهمة الأميركية في دحر الإرهاب.

حكومة حيدر العبادي في العراق تستعد لخوض المعركة من جهة القاطع الجنوبي من محافظة نينوى؛ فيما أُوكلت مهمة القاطع الشمالي والشرقي إلى قوات البيشمركة الكردية وبدعم مستشارين وخبرات أميركية وبريطانية؛ القاطع الغربي لم يتم الحديث عنه لاتصاله بتحركات داعش وطرق إمدادها إلى الرقة السورية، ويبدو أنه سيكون ممرا مفتوحا لهروب عناصر التنظيم مع معالجات بضربات جوية، يصفها خبراء إستراتيجيون أميركيون بالاستخفاف في تقدير قوة التنظيم الإرهابي داعش والإرهاب عموما؛ وما مشاهد الدهس في مدينة نيس أثناء الاحتفال بيوم الثورة الفرنسية إلا صور مرعبة متصلة ببشاعة مقتنيات حقيبة الإرهاب، والتهاون الدولي في السيطرة عليها وكشف ملفاتها المتعلقة بمشروع ولاية الفقيه الذي أنتج بمساعدة الاحتلال الأميركي – البريطاني للعراق داعش ومنظمات متشددة أخرى وميليشيات لا حصر لها؛ وبعد عملية نيس هل ستكتفي أميركا بدفع طائرات دون طيار؛ وهل ستظل روسيا على عنادها في حماية عنف النظام السوري وتشريد الشعوب من أوطانها؛ وهل ستظل ولاية الفقيه الفوضوي بمنأى عن الحساب.

العراقيون يرغبون في أن ينصفهم العالم في التحقيق بإبادة الكرادة، للاقتصاص من مرتكبي ومخططي الجريمة؛ وذلك هو جوهر "قضية العراق"

ما كان يثير الدهشة في العراق، ولم يعد كذلك الآن، الإصرار على مشاركة ميليشيات الحرس الثوري العراقي، والمنضوية تحت شرعية الفتوى الطائفية المؤسسة لما يعرف بالحشد الشعبي، ودمجها تحت مظلة قرار حكومي بالجيش، رغم أنها تحت إمرة قائد فيلق القدس الإيراني قاسم سليماني المستشار الرسمي لرئيس حكومة العراق للشؤون العسكرية.

العبادي لم يتأخر بالموافقة على دور واسع للميليشيات، على الرغم من مطالب مقاتلي عشائر نينوى، والكثير من نوابها وشخصياتها، برفض وجود الحشد الطائفي في معركة تحرير الموصل.

العراقيون يرغبون في أن ينصفهم العالم في التحقيق بإبادة الكرادة، للاقتصاص من مرتكبي ومخططي الجريمة؛ وذلك هو جوهر “قضية العراق” لأن التحقيق الجنائي الدولي والذي يفترض أن يكون عادلا ومبنيا على الخبـرات العلمية والدلائل، سيؤدي إلى إعادة ملف كل الجرائم الكبرى ونعني بها فتح ملف احتلال العراق، وتسليمه إلى حكومات غير مؤهلة وأجهزة أمنية غير كفأة وجيش، باعتراف القيادات الأميركية، لا يرقى إلى مستوى تحديات الإرهاب ومواجهته، ولهذا السبب تجد الميليشيات فرصتها في تدعيم مكانتها، وتحقيق الانقلاب المدوي المتوقع في الحياة السياسية والأمنية العراقية.

كان السيناريو جاهزا ومعدا سلفا بعد تفجير الكرادة، لإنتهاز الصدمة وطرح تولي الحشد الطائفي مسؤولية أمن بغداد بديلا عن الأجهزة الأمنية الرسمية؛ اغتناما لتداعيات الغضب، لكن جريمة الإبادة لم يتم استغلالها بالفرز الطائفي، لأن الإحصائيات تشير إلى تقاسم الموت بين الضحايا ومنهم من ديانات أخرى وقوميات متعددة، ضحايا عنوانهم “وحدة الموت العراقي”، وذلك لم يوفر للميليشيات الطائفية التابعة لولاية خامنئي حجة استهداف الطائفة أو الكرادة تحديدا، فذهبوا إلى تجيير سريع للجريمة بربط طائفي محكم في استهداف مرقد السيد محمد بن الإمام علي الهادي في مدينة بلد قرب سامراء.

رئاسة الجمهورية والحكومة العراقية سرعان ما انصاعتا إلى التهديدات المباشرة إلى للميليشيات باقتحام السجون وتنفيذ أحكام الإعدام من قبلها، في سابقة مشينة لتجاوز صلاحيات السلطة القضائية ووزارة العدل والمصادقات الأصولية؛ ولواقعة مثل هذه إشارات في عدم قبول أي تحقيق أو تدويل لإبادة الكرادة؛ لأن التحقيق إذا حصل، وهو لن يحصل، يجب أن يبدأ من السجون وبالذات من المحكومين بالإعدام، حينها ستتكشف أبشع انتهاكات حقوق الإنسان في العراق، لما ستوفره من حقائق الاعترافات القسرية والاتهامات الكيدية والممارسات اللاأخلاقية وبعض معلوماتها يندى من عاره جبين حتى الأوغاد.

قانونيا، تدويل جريمة إبادة الكرادة، لا يكون شرعيا من دون طلب من الحكومة العراقية، وتسبقه سلسلة إجراءات وتخويلات رسمية من أهالي الضحايا؛ وفي النهاية ستتوقف عند جدار عدم قدرة حتى الحكومة على تقديم الطلب، لأن العراق ليس جزءا من المعاهدات المنظمة لقوانين التدويل في الجرائم ومنها معاهدة روما.

ثم هل يصدق أحدنا أن حكومة في هذا العالم المتباين، ترضى أن تظل في موقعها والميليشيات تحيط بها من كل جانب وتجبرها، إذا كان ذلك إجبارا، على تنفيذ قرارات “إعدام” لم تأخذ الدرجة القطعية قضائيا، على افتراض أنهم جميعا إرهابيون ومجرمون.

قلناها سابقا إن “ضريبة الدم” للحشد الطائفي الميليشياوي ستؤسس لحرس ثوري عراقي، سيكون رديفا للجيش والقوى الأمنية والأصح إنه سيتقدم عليها.

الحكومة العراقية لم تلتفت أبدا إلى تقرير لجنة تشيلكوت وإدانته لقرار مشاركة بريطانيا في غزو العراق، وتلك هي المفارقة في دعوة المتظاهرين وأهالي الضحايا والأبرياء من أبناء الشعب العراقي إلى تدويل إبادة الكرادة؛ لأن الحكومة أساسا وليدة احتلال بلا مسوّغ أو شرعية قانونية دولية؛ توني بلير شخصيا يشعر بالعار، والعراق وشعبه يستحقان تدويل جريمة الاحتلال الأميركي – البريطاني، وحجز كل العملية السياسية للتحقيق معها في إبادة وطن وأمة وإشاعة الفوضى في العالم.

كاتب عراقي

حامد الكيلاني

:: مقالات أخرى لـ حامد الكيلاني

حامد الكيلاني

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر