الخميس 27 ابريل/نيسان 2017، العدد: 10615

الخميس 27 ابريل/نيسان 2017، العدد: 10615

فيلم 'توني إيردمان': سخرية وعبث وفلسفة

النقاد أجمعوا على ضرورة استحقاق الفيلم الألماني 'السعفة الذهبية' خاصة وأنه جعل الجمهور يضحك كما لم يضحك في قبل، ويسعد أيّما سعادة.

العرب أمير العمري [نُشر في 2016/07/17، العدد: 10337، ص(16)]

البطل يتظاهر بالجنون لكي يقترب من ابنته

كان أكثر فيلم تربع على قمة قوائم ترشيحات النقاد لنيل “السعفة الذهبية” في مهرجان “كان” الأخير، فيلم “توني إيردمان” للمخرجة مارين أده، لكن المفاجأة أنه لم يفز، لا بالسعفة ولا بأيّ جائزة أخرى، بما في ذلك جائزة أحسن ممثل التي كان يستحقها بطله دون شك.

لم يحظ فيلم من أفلام مسابقة مهرجان كان الـ69 بإجماع الجمهور والنقاد والصحافة الدولية (ما يقرب من خمسة آلاف صحفي وناقد) مثلما حظي هذا الفيلم الألماني، فقد جعل الجمهور يضحك كما لم يضحك في قبل، ويسعد أيّما سعادة، وهو يشاهد هذا العمل الذي يخل بأول مبدأ من مبادئ الكوميديا السينمائية، فهو يقع في 162 دقيقة أي ما يقرب من ثلاث ساعات، بينما لا تتجاوز أفلام وودي ألين وأفلام عبقري الكوميديا السينمائية شارلي شابلن، أكثر من ساعة ونصف، إلا فيما ندر.

تجاوز الجمهور عن الطول المفرط لزمن الفيلم، وأخذ يجد ما يستمتع به من مشاهده، طريفة، منتظرا أن يرى إلى أين ستؤدي هذه المواقف التي تكاد تشبه رقصة طويلة ممتدة بين شخصين اثنين في هذه الكوميديا الإنسانية، التي فيها من الحزن بقدر ما فيها من المرح، بل ومن السخرية والعبث أيضا. فنحن أمام ثنائي، أب وابنته، وينفريد وإينيس.

وينفريد مدرس موسيقى متقاعد قارب السبعين من عمره، يعيش وحيدا منفصلا عن زوجته بصحبة كلبته المخلصة الوديعة التي هرمت معه، والابنة إينيس تجاوزت الثلاثين لكنها لم تتزوج ولا يبدو أن اهتمامها يدور في محيط الزواج والإنجاب، فطموحها كله يتركز حول الصعود الوظيفي، فهي تعمل في فرع شركة بترول عالمية في العاصمة الرومانية بوخارست، يستغرقها الانشغال في العمل بكل دقائقه، تريد أن تثبت نجاحها ولو على حساب كل متعة أخرى في الحياة، يعكس وجهها العابس المتجهم، نوعا من الصرامة التي تثير حتى استياء زملائها في العمل.

تقوم إينيس في البداية بإجازة قصيرة إلى بلدتها في ألمانيا حيث تزور والدها الذي يبدو على العكس منها، رجلا مهزارا، لا يضيع فرصة للمداعبة والمعابثة، وهو ما لا تتقبله إينيس ببساطة. يحاول الرجل التسرية عنها بعد أن شعر بما تعانيه من ضغوط في العمل تبقيها متوترة مشدودة الأعصاب، لكن سرعان ما تغادر إينيس عائدة إلى بوخارست حيث تنغمس في الاجتماعات العملية، والإشراف على مسار العمل بجدية تامة، فهي مسؤولة عن مراقبة الأداء والعثور على آليات ووسائل لخفض التكاليف عن طريق الاستغناء عن بعض العاملين، أي أن مهمتها بعيدة تماما عن نطاق المشاعر، فالمهم تحقيق نجاح.

هناك استطرادات كثيرة ستأتي في سياق الفيلم، لتفاصيل العمل، والعلاقة بين إينيس ورئيسها وكيف أنها تشعر بالتهديد كونها امرأة وسط الرجال، والهدف الدرامي هو أن يصبح وينفريد، والد إينيس، مدخلا للسخرية والهزء من كل هذه الأجواء المتجهمة الاستغلالية، وهي سخرية تصل إلى حدود ما يعرف بـ”الفارص” أي الهزل المباشر الذي يذكرنا بالمسرح التجاري. إلا أن ما ينجو بالفيلم، هو ما يكمن من فلسفة تحت نسيج التهريج والإضحاك والمواقف العابثة والعبثية.

أصالة في افتتاح مهرجان تطوان السينمائي
مهرجانات سينمائية قادمة
عادت ماجدة واصف مديرة مهرجان القاهرة السينمائي مؤخرا إلى القاهرة بعد أن قامت برحلة إلى الصين لحضور مهرجان شنغهاي السينمائي وانتهزت الفرصة للتنسيق مع المسؤولين الصينيين عن النشاط السينمائي هناك، لاختيار مجموعة من الأفلام التي ستعرض في الدورة القادمة ضمن احتفالية خاصة ينظمها المهرجان لتكريم السينما الصينية، وكذلك دعوة عدد من السينمائيين الصينيين. ومعروف أن هذا النوع من التظاهرات التكريمية يتم عادة بالاتفاق مع الجهات الرسمية وبالتالي تأتي الأفلام المشاركة من الأفلام التي ترضى عنها الدولة وليست الأفلام المستقلة التي تعرضها عادة مهرجانات السينما في الغرب التي تجري اتصالاتها المباشرة مع المخرجين، كما تعرض أفلام الإنتاج المشترك التي تموّلها فرنسا وغيرها من الدول، وتكون هذه الأفلام عادة أكثر جرأة فيما تناقشه من قضايا تتغافل عنها “السينما الرسمية” في البلدان المغلقة. جدير بالذكر أن الدورة القادمة من مهرجان القاهرة ستقام في الفترة من 15 إلى 25 نوفمبر 2016.

*أعلن ألبرتو فيريرا مدير مهرجان فينيسيا السينمائي أن الدورة القادمة (الثالثة والسبعين) التي ستقام بين 31 أغسطس و11 سبتمبر 2016 ستفتتح بالفيلم الأميركي الموسيقي الجديد “لا لا لاند” للمخرج داميان شازيل (31 سنة) مخرج الفيلم الشهير “ويبلاش” الذي رشح لعد جوائز أوسكار. ويقوم ببطولة الفيلم ريان غوسلنج وإيما ستون، ويعتبر تكريما للعصر الذهبي في هوليوود أي عصر الأفلام الموسيقية الاستعراضية ولكن في قالب معاصر، وسيتنافس الفيلم مع عدد من الأفلام الجديدة على جائزة الأسد الذهبي في المسابقة الرسمية التي ينظمها المهرجان العريق الذي يرأس لجنة تحكيمها هذا العام المخرج سام منديز. ويقوم غوسلنج في الفيلم بدور عازف بيانو متخصص في موسيقى الجاز يقع في غرام إيما ستون التي تلعب دور ممثلة، ثم يواجه كلاهما الكثير من المشاكل ثم يحققان نجاحا كبيرا. ويشارك في بطولة الفيلم الممثل ج ك سيمونز الذي قام بدور مدرب الموسيقى في فيلم “ويبلاش” وحصل على أوسكار أحسن ممثل مساعد.

*يحتفل مهرجان لندن هذا العام بمرور ستين عاما على تأسيسه وتقام دورته الستون من 5 إلى 16 أكتوبر 2016، وتفتتح بالفيلم البريطاني الجديد “مملكة متحدة” الذي يروي قصة زواج ملك بوتسوانا الأفريقية بالسكرتيرة الإنكليزية روث ويليامز عام 1947 بعد قصة حب بين الاثنين، ووسط ضجة إعلامية كبيرة واعتراضات من جانب أسرتها ومن جانب الحكومة البريطانية وحكومة جنوب أفريقيا، بدوافع عنصرية. الفيلم من إخراج أما أسانتي، وهي مخرجة بريطانية من أصل أفريقي فوالدها هاجرا من غانا إلى بريطانيا.

*مهرجان تطوان السينمائي، وهو المهرجان التالي في حجمه وأهميته في المغرب بعد مهرجان مراكش، أعلن تصعيد نائب مدير المهرجان نورالدين بن إدريس ليصبح مديرا للمهرجان خلفا لأحمد الحسني الذي ظل في منصبه منذ تأسيس المهرجان عام 1985، على أن يصبح الحسني الرئيس الشرفي للمهرجان. وجدير بالذكر أن المهرجان تنظمه جمعية أصدقاء السينما التي تضم عددا من الهواة ومحبي الفن السابع، وهي إحدى جمعيات المجتمع المدني، لكنها تحصل على دعم مالي من المركز السينمائي المغربي وجهات حكومية أخرى. ويصنف مهرجان تطوان باعتباره مهرجانا لسينما بلدن حوض البحر المتوسط.

الوحدة والشيخوخة

بعد وفاة الكلبة المخلصة وطغيان الشعور بالوحدة، يقوم الوالد بزيارة مفاجئة لابنته في بوخارست، حيث يحاول أن يقترب منها، أن يخترق سياجها الحديدي الجامد، يلقي بالنكات، يتحايل لكي يدخل على قلبها بعض السعادة، يكرر أمامها لكل من يلقاه على سبيل التفكه والمعابثة، أنه يفكر في “استئجار ابنة”. وفي أحد المواقف الطريفة يربط يده إلى يدها بواسطة سلسلة يغلقها، ولكنه لا يستطيع أن يفتحها، فقد نسى أين وضع المفتاح، ولكن إينيس مرتبطة بموعد اجتماع مصيري في العمل، لذلك يخوض الاثنان مغامرة الذهاب للبحث عمن يستطيع أن يكسر الطوق. إنها إشارة إلى رغبة الأب في إعادة الصلة مع ابنته التي يشعر أنها أصبحت بعيدة عنه، جغرافيا ووجدانيا.

إينيس تدفع والدها دفعا للمغادرة والعودة من حيث أتى. وسيتظاهر هو بأنه قد حزم حقيبته الصغيرة واستقل سيارة تاكسي ومضى إلى المطار بينما تكتفي هي بأن تلوح له مودعة من شرفة مسكنها، وفي لقطة طويلة تركز الكاميرا على وجهها لنلمح بعض ملامح الأسى تحت القناع الجامد، صحيح أنها تشعر بنوع من الحصار من وجود والدها لكنها تشعر أيضا بقلق خفي عليه.

ولا يمر وقت طويل قبل أن يعود وينفريد ليفاجأ ابنته في شكل جديد تماما بعد أن تنكر في شخصية غريبة الأطوار، فارتدى باروكة طويلة الشعر، ووضع في فمه طاقما من الأسنان الطويلة، وارتدى ملابس مضحكة، واستأجر أيضا سيارة من سيارات ملوك النفط الأميركيين، واتخذ لنفسه اسم “توني إيردمان”، وأخذ يعيث فوضى أينما حل، وهو يهبط أولا على ابنته في العمل مع زميلاتها، ويقدم نفسه باعتباره رجل أعمال يرغب أيضا في الاطلاع على أعمال الشركة لأنه قد يستثمر فيها. ولكن كل تصرفاته تثير ضحك واستغراب الفتيات، بينما تتعرف إينيس بالطبع عليه بينما تتظاهر بأنها لا تـعرفه لكي تتفادى الشـعور بالحـرج.

توني إيردمان، سيحل أينما حلت إينيس، يحاول أن يفسد كل شيء ببراءة طفل مشاكس، وبفلسفة مهرج حكيم. إنه يتناقض بملابسه الغريبة المضحكة، مع المظهر الجاد لكل من حوله، وأولهم ابنته التي تحرص على إغلاق أزرار السترة جيدا، وعندما يرى كيف يطرد رئيس الفرع عاملا في الموقع لتقصيره في أمر تافه، يبتعد وينزل سرواله تحت شجرة قريبة ويعتزم التبرز. إنه يعلق بطريقته على ما يراه من أمور يرفضها. وهو يقدم نفسه إلى سيدة ممن يلتقيهن في إحدى الحفلات باعتباره السفير الألماني في بوخارست، لكنه يتصرف بطريقة متحررة تماما من أيّ بروتوكول.

معاناة في العمل

إمعانا في تصوير ما تعانيه إينيس في عملها، نرى كيف يفرض عليها رئيسها أن تصاحب زوجة مسؤول مهم من الفرع الرئيسي للشركة، في جولاتها للتسوق والترفيه، وهو ما يهبط بمستوى عملها ويعتبر أمرا مهينا، لكنها تقبل على مضض، لكي تحافظ على وظيفتها، ثم تدريجيا ستصل أيضا إلى الشعور بعبث كل شيء. إنها تغنّي عن السعادة مضطرة لمجرد الخروج من أحد تلك المواقف المحرجة التي يضعها فيها والدها، وعندما تجد صعوبة في تبديل فستانها، تنتزع الفستان وتستقبل ضيوفها الذين جاؤوا للاحتفال بعيد ميلادها، عارية تماما، ثم تفرض عليهم التجرد من ثيابهم، بعد أن قررت في لحظة شـعور بالعبـث أن يـكون الحـفل حفلا للعراة!

كل هذه المفارقات والمشاهد الطريفة التي يعيث خلالها “توني إيردمان” فسادا، ويتلاعب بالجميع، وصولا إلى قمة السوريالية في مشهد يرتدي فيه شعر حيوان أسطوري خرافي ضخم ويهبط على حفل عيد الميلاد، تجعله ينجح أخيرا في لمس الوتر الحساس الداخلي في قلب الابنة. وفي موقف يلخص حكمة الفيلم عندما يقول لها: إن الإنسان يجري ويعمل ويرهق نفسه كثيرا ويتوتر، ويمضي قطار العمر، لتأتي لحظة يكتشف أن حياته ضاعت هباء، وأنها لم تكن تساوي كل هذه المعاناة، ولكن يكون الوقت قد تأخر، فما معنى أن تمضي الحياة دون قدرة على أن نستمتع بما فيها بقدر الإمكان!

لا شك أننا أمام عمل جيد ومتميز وإن كان لا يرقى إلى مستوى التحفة الفنية، ففيه الكثير من الاستطرادات والتكرار والمبالغة من أجل إثارة الضحك (بعض اللقطات يمكن أن تكون مزعجة مثل إخراج إيردمان لريح بصوت مسموع، وممارسة صديق إينيس الاستمناء فوق قطع الحلوى ثم تناولها قطعة منها) ويعاني الإيقاع بشكل واضح في الجزء الأخير، فبعد مشهد ظهور الأب مرتديا شعر ذلك الحيوان الأسطوري الضخم، يهبط ويسير في الطريق العام، يتحلق حوله الأطفال، يتطلعون إليه في سعادة، بينما يشعر هو بالإجهاد، ويتنفس بصعوبة شديدة، ثم يتمدد على أرضية الحديقة القريبة. هنا كان يمكن أن تلحق به ابنته وينتهي الفيلم، لكن المشكلة أن الفيلم يستمر بعد ذلك ليفقد الفيلم إيقاعه، ويكاد المتفرج يفقد مزاجه.

ثنائيات ذهنية

نلاحظ هنا اللعب على الثنائيات مثل: الأب الابنة، أي الجيل القديم (مدرس موسيقى عاش الحلم والجمال والفن والإبداع) والجيل الجديد (الجيل العملي الذي يعمل في بيئة ترتبط بالتكنولوجيا الجديدة والشركات متعددة الجنسيات، والضحك مقابل المأساة، الحياة أمام الموت (موت الكلبة إشارة إلى اقتراب موت الرجل)، الجنس الذي ليس جنسا صحيحا، والرجل الذي يتصرف كمجنون لكنه ليس مجنونا، والجنون المصطنع كوسيلة للتغلب على جنون العالم، والتهكم المستمر من أخلاقيات البورجوازية وصبّ اللعنات عليها بطريقة السخرية الطريفة.

ولعل من أهم عوامل تماسك الفيلم ونجاحه في جذب المشاهدين، رغم طوله الزمني المفرط، الأداء التمثيلي الرفيع، سواء من جانب الممثل النمساوي الكبير “بيتر سيمونشيك” في دور وينفريد/إيردمان، والممثلة الألمانية “ساندرا هوللر” في دور “إينيس″. وبدون تلك الكيمياء التي ربطت بينهما، لم يكن الفيلم قد وصل إلى كل ما حققه من إقناع وقبول، ولا شك أن الفضل في اختيار وحسن إدارة الممثلين على هذا النحو البديع، يعود إلى المخرجة التي تركت مجالا للارتجال خاصة مع الانتقال بين لغات عدة في الفيلم: الألمانية والإنكليزية والرومانية، كما نجحت في اختيار مواقع التصوير.

ناقد سينمائي من مصر

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر