الاثنين 23 يناير/كانون الثاني 2017، العدد: 10521

الاثنين 23 يناير/كانون الثاني 2017، العدد: 10521

يوسف آل ابريه: الحواجز لم تمنعني من كتابة ما أريد

  • هنالك شعراء أحبوا أن يجربوا مناطق الكتابة منطقة إثر أخرى، دون أن يحصروا أنفسهم في هندسة معمارية للقصيدة أو للغة، فنجدهم يكتبون كما يحلو لمزاجهم الشعري، مستوطنين اللغة بمعياريتها الفصيحة حينا، ومسترشدين باللغة المحكية البسيطة حينا آخر من غير أن يفسد أحد هذين العالمين على العالم الآخر. من هؤلاء الشاعر السعودي يوسف آل ابريه الذي التقته “العرب” في حوار حول تجربته وحول بعض القضايا الثقافية الأخرى.

العرب زكي الصدير [نُشر في 2016/07/18، العدد: 10338، ص(15)]

الشعر وسيلتي للافتتان

أصدر الشاعر السعودي يوسف آل ابريه (مواليد القطيف 1966) ديوانه الأخير “حيث أنا” عن دار أطياف السعودية بالتعاون مع ضفاف اللبنانية، ويأتي هذا الديوان بعد مجموعته الشعرية “روحي سفينة عشق” الصادرة عام 2011.

آل ابريه بالإضافة إلى اشتغاله الشعري لديه كذلك بعض الدراسات العربية والشعبية، فمن الدراسات العربية دراسة حول الشاعر العباسي أبي تمام، كما أنهى في الفترة الأخيرة بعض الأعمال، من ضمنها “مختارات من الموّال”، ويشتغل حاليا على دراسة حول “الأبوذية المغناة”، كما سيقدّم للمطبعة قريبا كتاب “حكاية الموّال” وهو دراسة استقصائية حول فنون الموّال وأشكاله، حيث تتبّع في هذه الدراسة كلّ ما يندرج تحت مسمّى فنٍّ أو شكل للموّال. ولديه أعمال مؤجلة كثيرة، يحتاج إلى مراجعتها وتدقيقها عندما يحين الوقت لطباعتها.

حيث أنا

في مجموعة “حيث أنا” يعود يوسف آل ابريه بالقارئ إلى القصائد الرومانسية الثائرة من الداخل، وهي مدرسة قديمة لم يعد يشتغل عليها سوى القليل من الشعراء المعاصرين، حيث اللغة تولّد اللغة داخل الإيقاع الخليلي المحفوظ سلفا. وفي تفاصيل القصائد نتلمس شاعرا ثائرا على التقاليد والأعراف والعادات، شاعرا يرغب بشدّة في القفز خارج الصندوق، نواجه الكثير من المجون والعربدة وتفاصيل واضحة لجسد المرأة الخبيء، الأمر الذي يذكّر القارئ بمجونيات الشاعر العراقي حسين مردان، والشاعر الأردني عرار، وقبلهما الشاعر الأموي عمر بن أبي ربيعة.

وعن ذلك يعلّق آل ابريه “توجد في أعماق أكثر الشعراء هذه الرغبة الثائرة، غير أن البعض لا يمتلك الشجاعة في إظهارها، والبعض الآخر لا يحب أن يُشار إليه بنظمها، وبعض آخر يسير بشخصية مزدوجة، فهو يظهر في المجتمع بوجه وفي أعماقه شيء آخر. لذا نجد القليل من الشعراء من جازف بركوب هذا الفن رغم وعورته متحملا تبعاته من ردات الفعل. وأراني -وببساطة فطرتي التي تحبّ الجمال وتعشقه- قد اتّخذت الشعر وسيلتي لهذا الافتنان، فهناك شاعر يغنّي للجمال بقلبه، وآخر بعقله، وآخر بلسانه. ولعمري فأنا أحد هؤلاء الثلاثة، ولن أتهرب بنفي أو تعليل، ولذا أسميت هذه المجموعة ‘حيث أنا‘ واضعا نفسي في الموضع الذي تحسّه وتهواه بلسان يرى تبيان الجمال روعة، ونظمه إبداعا”.

الشاعر حاول جاهدا في مجموعة "حيث أنا" إبراز صوت المرأة بقوة في قصائده جاعلا إياه جامحا ذا رغبة طافحة

ويتابع ضيفنا “هي ليست ثورة بالمعنى الذي أراده مردان أو عرار أو عمر بن أبي ربيعة، إنما هي تفاعل مع الجمال الخارجي في أكثره، والتفرّغ في تفاصيل ذلك الجمال بعيدا عن متاعب الحياة ونكدها، وقد ألمحت سابقا إلى وجود هذه الرغبة في كتابة هذا النوع عند الكثير من الشعراء، ولكن تمنعهم الحواجز من المجاوزة والعبور. قد تكون ثورة كما تسميها على تلك التقاليد التي أرادت بقصد أو دونه إبعاد هذا الفن وشعرائه من النظم فيه، ولكنّي أقول إن هذا الفن الثائر -كان ومازال- له أصحابه ومريدوه، ولا يزال الناس وهم يقرأون لأبي نواس تتحرّك مشاعرهم، وتهتز جوارحهم، أمّا إذا تصفّحوا ديوان الشاعر حسين مردان في قصائده العارية فنراهم يترحمون عليه في قرارة أنفسهم، لأنه عبّر عن دواخلهم بما لا يستطيعونه، ولكنهم يلعنونه في الظاهر لِيُرضوا مشرّعي العادات والتقاليد. سيبقى هذا الغرض الثائر مرفوضا عند أناس، ومقبولا عند آخرين، ولعلّ السؤال الذي يستحسن أن يطرح هو: هل العمل قدّم جديدا في هذا الفن؟ هذا ليس من شأني، وإنما يترك للقارئ فكل شخص له أدواته وذائقته. نعم، تعمّدت في جلّ هذا الديوان أن يكون في وحدة موضوعية يسيطر الحوار القصصي على أكثر مقطوعاته، وأيضا حاولت جاهدا إبراز صوت المرأة بقوة في ما كتبت جاعلا هذا الصوت جامحا ذا رغبة طافحة”.

يرى يوسف آل ابريه أن “النص الشعبي الخليجي بشكل عام يشهد تراجعا في قيمته يصل حد السطحية أحيانا، مما جعله عاجزا عن تقديم نفسه في صورة حداثية، وأيضا لكون أكثر المغنين يفتقدون للذائقة في اختيار القصائد الجميلة”.

ويضيف “الغريب أننا نرى القصيدة الشعبية في بعض البلدان تتطور وتنمو، بل وصل بها البعض إلى كتابتها بطريقة النثر، وذلك على يد بعض الشعراء كصادق العلوي وكريم تعبان وغازي مجدي وغيرهم، إلا أننا نفتقر ـ إلى الآن ـ لأبسط أمور الحداثة في كتابة النص الشعبي. وفي رأيي المتواضع يلزمنا أن نبصر الطريق الصحيح لما يجب أن تكون عليه القصيدة الشعبية اليوم لِتقدّم نفسها في صورة حداثية. إنّ التجديد هو رؤية ثاقبة تستند إلى قضية صميمية تشغل كيان الشاعر فكريا وجماليا ونفسيا. ولعلّ من أبرز خصائص هذه الرؤية امتدادها وترابطها واندماجها مع بعضها البعض، فالتغيير لا يكمن فقط في الشكل والمضمون، بل لا بد من تغيير شامل يجتاح كل البنى الداخلية والخارجية للشاعر”.

قصائد رومانسية ثائرة من الداخل

تفرق الرؤى

منذ 1980، وحركة الصحوة في السعودية تشكّل ارتدادا للحداثة ومعطياتها على مستوى الفنون والمرأة والفلسفة، حيث حوربت بواكيرها من خلال منابر دينية واجتماعية، الأمر نفسه واجهه مثقفو مدينة القطيف، حينما صدّرت الثورة الإيرانية أدبياتها الدينية إلى منطقة الخليج. وفي سؤال لضيفنا عن هذه المرحلة، وكيف صمد الشعراء والمبدعون أيامها في وجه هذا الانحدار للمكتسبات الثقافية حتى زمننا الراهن.

أجاب الشاعر “لعلّي أخالفك الرأي في طرح السؤال بهذه الطريقة، فأنت وضعت مقدمة معينة، ومن ثم صغت أسئلتك من خلالها. ولكني سأجيبك بما أراه مناسبا لهذه التساؤلات. إنّ الأدَبِيَّات الدينية في القطيف كانت موجودة قبل الثورة الإيرانية، وهذا الأمر لا يحتاج إلى عناء وبحث، فبمراجعة بسيطة للبعض من المصادر الشعرية التي تناولت شعراء القطيف ستجد الكم الهائل من الشعر الديني واضحا للعيان. ولمّا جاءت إيران بثورتها استمر هذا الشعر الديني، وإن خالطته بعض المفاهيم الجديدة. عموما، لا أجد الآن آثارا قوية لامتداد الخطاب الديني، وذلك لتغيّر ظروف الحياة بشتى جوانبها الدينية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية“.

وفي حديث ختامي مع ضيفنا حول القضايا المصيرية الملحّة التي يمكن أن توحّد المثقفين السعوديين باختلاف أيديولوجياتهم وأطيافهم، بحيث تشغلهم جميعا في اشتغالاتهم الإبداعية والفكرية يقول آل ابريه “حقيقة، هذا الأمر مؤلم ومثير في آن واحد. لا أظن أننا اليوم -أي المثقفين السعوديين- نسير على خطى واحدة في بعض القضايا المصيرية، فقد كنا في السابق كالخلية الواحدة في بعض القضايا المهمة كقضية (فلسطين) التي وحّدتنا جميعا، واستلهمناها في قصائدنا وأدبياتنا، أمّا الآن فلم تعد هناك رؤية واضحة موحّدة تجمع أطياف المجتمع السعودي، فكل جماعة لها رؤيتها الخاصة لما يحدث ويدور. ولعلّ الظرف الآني هو الذي جعلهم منفردين لا مجتمعين، فالتحولات الكثيرة في الحياة سواء السياسية أو الاقتصادية أو الاجتماعية، وحتى الدينية وتناقضاتها كانت سببًا رئيسًا في هذا التفرّق، وأظنّ أنّ هذه الظاهرة ليست مقصورة على النطاق المحلي، وإنما هي مسحوبة ومحسوبة على الوضع العربي عامة”.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر