الجمعة 24 مارس/اذار 2017، العدد: 10581

الجمعة 24 مارس/اذار 2017، العدد: 10581

خطر أردوغان والإخوان على العرب

موقف الدول العربية من الإسلام السياسي عموما سواء الإخوان أو داعش أو الميليشيات الشيعية هو موقف صحيح وتفرضه عليهم ضرورات السلم الاجتماعي والدفاع عن النفس.

العرب أسعد البصري [نُشر في 2016/07/18، العدد: 10338، ص(9)]

السؤال الذي يحيرني في ما يتعلق بالشرق اليوم هو هل نحن نعيش هذه الانهيارات المتتابعة بالمصادفة؟ حريق الفلوجة وحريق الكرادة ومجزرة فرنسا وانقلاب في تركيا كل هذا في عشرة أيام، هل الشرق يمرّ بفوضى عادية وهي أحداث منفصلة عن بعضها البعض، أم سيظهر مؤرخ ومتفلسف مسلم قريبا بمستوى الفيلسوف الألماني هيغل، ليخبرنا بأن ما يجري في الواقع هو تشققات لتحول تاريخي وانهيار في الثقافة والجغرافيا؟ نحن لا نستطيع رؤية ذلك الشيء الذي شعر به هيغل وأطلق عليه “روح العالم”.

أردوغان يمثل إحراجا فلسفيا عالميا لا يُطاق اليوم، فهو من جهة يقول للأوروبيين ارفعوا شروط التأشيرة لدخول أوروبا بالجواز التركي، وقدموا لتركيا تعويضات وبلادي ستعمل على توطين اللاجئين. ومن جهة ثانية يعد اللاجئين بجنسية تركية. هذا سلطان عثماني وليس رئيس دولة عادية، والاتحاد الأوروبي كان محقا حين قال بأنه لن يرضخ لشروط “السلطان”.

لم يظهر مسلم منذ محمد علي باشا (توفي 1849) استطاع وضع الغرب أمام حقيقته المنافقة بهذا الشكل. وبالرغم من ذلك فأردوغان خبيث وماكر وخطر عثماني على وجود العرب، والغريزة القومية والوطنية تفرض على العرب محاربته. إنه خراب للدول العربية عموما.

أردوغان يقود دولة قوامها 90 مليون مواطن على مشارف أوروبا، ويطلب من كل فتاة تركية أن تكون أما وتنجب من 3 إلى 5 أبناء، ويؤكد في فكره العثماني على تفوق المسلم على المسيحي. يذكر في خطاباته خوف أوروبا وارتعادها في القرون الوسطى من اقتراب الجندي العثماني إلى أسوارها، وقد سبق له أن دخل السجن بسبب أبيات حماسية من التراث العثماني رددها في خطاباته.

يقول إن على تركيا إحياء التراث العثماني الظافر، فتركيا معروفة بالحركة وليس لها عطاء في الفلسفة والفقه يعادل عطاءها في الإدارة والجندية، ويسمي الجندي بالمحمدي، وهذه كلمة من التاريخ العثماني حيث الجندي التركي هو الحامل لرسالة محمد. وهو يعرض تجنيس اللاجئين اليوم وهذا خطير لأن البارحة فقط كان الشاعر معروف الرصافي (توفي 1945) يتجول في عاصمته إسطنبول كمواطن عثماني ويكتب ذكرياته.

إن الواقع السياسي العراقي الحالي هو من صنع لاجئين سابقين في إيران وسوريا، واللجوء الحالي إلى تركيا الإسلامية، سيصنع واقعا آخر ربما في المستقبل. كل الدول العربية في خطر من هذا السلطان العثماني، ويحق للعرب الدفاع عن وجودهم ضده.

قرن ونحن نحصن شعبنا العربي ضد الولاء التاريخي للفرس والأتراك بالفكر القومي، وانتهت محاولاتنا بهتاف الشيعة اليومي باسم الخامنئي والسيستاني، وهتاف السنة الحالي باسم أردوغان؛ إن لم يمكنك أن ترى عودة للتاريخ في ما يجري فأنت أعمى.

الذي حدث للعرب هو مشابه تماما لما يحدث للبعض من الأسر الأميركية، حيث ينشغل الآباء بالصراعات الزوجية فتأتي الحكومة وتأخذ أبناءهم وتعطيهم لأسر قوية ومتماسكة ومستقرة. هكذا فقدت الحكومات العربية أبناءها إلى الفرس والأتراك، ومازال قادتها يتصارعون في ما بينهم وحيدين.

بين الإسلام التركي والإسلام الإيراني يعتبر داعش الإرهابي من الناحية الفلسفية آخر رفسة للإسلام العربي المحتضر. فما معنى مكافحة الوهابية بكافة أشكالها؟ ألا يعني فشل العرب في تقديم نسخة مقبولة للإسلام.

تأخذ هذه الحقيقة شكلا دمويا قبل أن تحتضر وتموت. العرب في شغل شاغل اليوم بالمناورات السياسية، ليس عندهم كاتب يخبرهم بالحقيقة.

إذا كانت المخابرات الأميركية قد قادت انقلابا فاشلا في تركيا كما يخبرنا السلطان أردوغان، فنحن نتفهم ذلك جيدا لأن أميركا أيضا تبحث عن حلول. فلا خلاص لنا كعرب إلا بضرب القلعتين التركية والإيرانية، وإلا فإن صعود الإسلام السياسي بهذه الطريقة التاريخية وبوجود داعش سيؤدي إلى التهام دولنا. فما هو الحل الذي تملكه أميركا سوى العمل على انقلاب في تركيا والتفكير في طريقة لتفكيك إيران؟

لماذا اعتبرت دول الخليج ومصر الإخوان المسلمين تنظيما إرهابيا؟ الشعب بحاجة إلى توضيح. كل عائلة اليوم فيها مَن يصلي ومَن لا يصلي، والناس تركض سعيا وراء الرزق. الإخواني يقول لك في البداية دعنا من السياسة، المهم هو الدعوة إلى الله وإصلاح الإنسان والاستقامة. بعد ذلك تصلي بك جماعة هل أنت مسلم أم لا؟ هل تصلي أم لا؟

بعدها يقيم علاقة مع الشاب لمعرفة مشكلاته الشخصية، وهكذا تتطور الأمور إلى أن يتحول الإنسان من رجل بسيط إلى مسلم عامل، ثم تبدأ مرحلة الإسلام الحي والإسلام الميت، وتسريب أفكار سيد قطب، وبعد فترة التنظيم تتحول إلى “أخ”.

هذا التنظيم يختلف عن الشيوعية والبعثية، إنه تنظيم مرتبط بالمسجد والصلاة والهوية الأساسية، بعدها أنت عرفت أشياء كثيرة، هناك إسلام حي وآخر ميت، وهناك أمة إسلامية وجهاد وهناك قرآن لإرشاد العالم وهناك صداقات منظمة وعالم داخل العالم، وهناك واجب على الإنسان هو الدعوة إلى الله، هذا النشاط بمجمله هو خطوة متقدمة قبل انتمائك إلى الإرهاب.

ليس بالضرورة أن تحمل السلاح وتصبح داعشيا، بل شعورك بأستاذية العالم والتفوق بالإسلام ونشاطك ضمن تنظيم، ووصفك للناس بالعالم والجاهل اعتمادا على النصوص المقدسة وحفظها وتطبيقها، هذا هو الإرهاب الثقافي الأخطر من الإرهاب المسلح. انتبهت الدول العربية لهذه المشكلة وتم تجريم الإخوان وسلب هذا النشاط منهم.

المجتمع كما عرفناه قبل التسييس كان كل واحد حر يلتزم أو لا يلتزم، ولا يؤثر ذلك في علاقة الإنسان بعائلته أو مجتمعه، القضية كانت شخصية، وستبقى شخصية وغير مسموح بالجدل فيها، والحكومات العربية ضربت الإخوان بيد من حديد للحفاظ على هذا السلم الاجتماعي.

إن نشاط الإخوان يجعل من الإرهاب ممكنا، يسلحون المجتمع بثقافة دينية سياسية، هذا هو جوهر المشكلة. وليس غريبا ظهور وثائقي من قناة ألمانية مؤخرا يتحدث عن تسهيلات حكومة أردوغان لنشاط الدواعش وتسليحهم وعلاج جرحاهم وغض النظر عن المنظمات التي تحشد المتطوعين من جنوب الأناضول.

إن موقف الدول العربية من الإسلام السياسي عموما سواء الإخوان أو داعش أو الميليشيات الشيعية هو موقف صحيح وتفرضه عليهم ضرورات السلم الاجتماعي والدفاع عن النفس. المهم هنا أن تصل تحذيراتي إلى الحكومة المصرية خصوصا، وإلى الرئيس عبدالفتاح السيسي بضرورة الانتباه في المرحلة القادمة خصوصا، فمصر هدف الإخوان الأكبر والأهم في المنطقة.

يجب أن تكون الرسالة العربية واضحة، إذا كان الإخوان يريدون الاحتفاء بأردوغان فليفعلوا ذلك ضمن حدود تركيا، ولكن لا مكان لهم في مصر والخليج العربي.

كاتب عراقي

أسعد البصري

:: مقالات أخرى لـ أسعد البصري

أسعد البصري

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر