الاثنين 27 مارس/اذار 2017، العدد: 10584

الاثنين 27 مارس/اذار 2017، العدد: 10584

معركة الشخص

النزعة العدوانية تجاه الشخص تحولت إلى سمة من البنية النفسية للكائن، ولهذا يتحول النقد حتى لدى المثقف الذي يدافع عن قيم الحرية إلى اعتداء على الشخص وليس على نصه أو أثره.

العرب أحمد برقاوي [نُشر في 2016/07/19، العدد: 10339، ص(14)]

ليس من الغريب أن يُشتق من الفعل شَخَص المصدر الصناعي شخصية، وآية ذلك أن الفعل شخص يفيد معنى ظهر وبدا وطلع. وشخّص أبان وأظهر. وبالتالي يمكن القول بكل اطمئنان معرفي الشخص هو تحول الفرد إلى ذات متمايزة واعية لذاتها وشاعرة بحريتها، فالشخص هو الفرد الحر.

والحق أن انتقال الفرد إلى شخص ليس ثمرة خيار فردي فقط، وإنما ثمرة تحول تاريخي طويل مرت به المجتمعات على اختلاف أشكال تطورها، ولكن الثابت أن انتصار البرجوازية الأوروبية وتأكيدها مكانة الإنسان في المجتمع، يمثلان المرحلة التي شهدت ولادة الشخصية بوصفها الذات الحرة. ثم انعكست ثقافة ولادة الشخصية على ثقافات مجتمعات كثيرة، ومازالت هناك مجتمعات حاضرة تعيش مرحلة ما قبل ولادة الشخصية.

والحق أن الحرية الشخصية تعبير عن ولادة الشخصية-الشخص، وتعني حرية سلوك الفرد بما هو متصل بذاته فقط دون أن يكون له أثر سلبي على الآخر. فمن الحرية الشخصية أن أختار الكتابة في أي شأن ما ولكن ليس من الحرية الشخصية أن أمارس الكتابة كدعوة للقتل والثأر من الآخر الذي أعيش معه، لأَنِّي إذاك أعادي مفهوم الشخص وحريته. ولهذا يجب ألا تتناقض الحرية الشخصية مع الحريات العامة.

والمتأمل في حال الشخص وحضوره في عالمنا العربي سيجد نفسه أمام ثقافة نفي الشخص وسلب الكائن شروط انتقاله إلى وضع الشخص. وهذه الثقافة النافية لحضور الشخص أو قل لولادته، هي ثمرة طبيعية لثقافة السلطة المستبدة التي تنظر إلى حالة الشخص النقيض لها الخطر والخطر عليها. فالشخص بما هو تعين للحرية يقع حتما في صراع مع القوى السالبة له المتمثّلة في السلطتين الاستبداديتين: الدكتاتورية السياسية والدكتاتورية اللاهوتية-الأيديولوجية.

فالجهاز القمعي والسلطوي، والأمني والإعلامي-الأيديولوجي والتعليمي حشد كل طاقته السالبة على امتداد عقود للحيلولة دون ظهور الشخص عبر القمع الجسدي الذي يصل حد القتل وعبر تزييف الوعي بالحياة والإنسان بضخ خطاب أيديولوجي مدافع عن الوعي القطيعي المَقدِس للدكتاتور الجاهل والمتخلف نفسيا وعقليا، باعتداء صارخ على اللغة، على الشعر، على الموسيقى، على الخبر، على الحياة ككل. وعبر جهاز تعليمي يفصل بين العلم والوعي العلمي. وفي تحالف خبيث مع هذه السلطة المعادية للشخص تقوم السلطة اللاهوتية-الأيديولوجية بحصار الوعي الذاتي خشية أن يخلق الوعي بالشخصية، وهكذا.

غير أن حركة الواقع العالمي وتطور الحاجات وتوافر منابع المعرفة وعملية تشكل وعي جديد في العالم متناقض تناقضا مطلقا مع هاتين السلطتين، تحول دون نجاحهما في حرمان الكائن من أن يصير شخصا، لكن خطر شيوع ثقافة الاعتداء على الشخص، والتي تكونت عبر زمن طويل وتحولها إلى عادة في بناء العلاقة مع الآخر، يتحول إلى عائق موضوعي أمام انتصار الشخص.

فالنزعة العدوانية تجاه الشخص تحولت إلى سمة من البنية النفسية للكائن، ولهذا يتحول النقد حتى لدى المثقف الذي يدافع عن قيم الحرية إلى اعتداء على الشخص وليس على نصه أو أثره. والحق أننا، نحن العرب، نمرّ ومنذ ست سنوات تقريبا، بسيرورة ولادة الشخص في ظل صراع مرير بين بنية معادية للشخص وكائنات بشرية راحت تبني وجودها وحياتها ومستقبلها على أساس انتصار الشخص. أجل إن الشخص هو الذي يقود معركة الحياة.

كاتب من فلسطين مقيم في الإمارات

أحمد برقاوي

:: مقالات أخرى لـ أحمد برقاوي

أحمد برقاوي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر