الجمعة 15 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10843

الجمعة 15 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10843

لماذا إصرار العبادي على مشاركة الحشد الشيعي في معركة الموصل

مخاوف جدية من الإصرار على تشريك الحشد الشيعي في معركة الموصل، لأن ذلك يفتقد إلى المبررات والدوافع السياسية والأمنية المعلنة من قبل العبادي وقادة الحشد.

العرب د. ماجد السامرائي [نُشر في 2016/07/19، العدد: 10339، ص(8)]

أصر رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي مجددا على مشاركة “الحشد الشيعي” في معركة الموصل المقبلة بعد تحرير مدينة الفلوجة وسط تسريبات تناقلتها المواقع الإعلامية عن صفقة مدبّرة لخروج داعش الآمن من هذه المدينة عبر وسيط ثري من أهالي الفلوجة. إصرار العبادي الجديد جاء مشحوناً بخطاب تصعيدي من قبله شخصياً ومن باقي قادة الحشد الشيعي والميليشيات ونبرة تخوينية بالداعشية لكل من يقترب من “مقدسات الحشد الشعبي” ويدعو إلى عدم مشاركته، فقد صرح مسؤول ميليشيا بدر هادي العامري قائلا “لن تنحصر قوات الحشد الشعبي في نطاق جغرافي معين وستشارك في معارك الموصل لتحريرها رغم أنف المعترضين سواء أكانوا عراقيين عربا أم أجانب”، وإذا كان هذا التقديس للحشد قد جاء مستمداً من الفتوى السيستانية في العاشر من يونيو 2014 بالجهاد الكفائي ضد داعش في العراق، فإن المرجع الشيعي لم يذكر في فتواه اسم “الحشد الشعبي” بالذات وإنما دعا تابعيه من الشيعة للتطوع في محاربة داعش ومنعه من الوصول إلى مناطق مراقد أهل البيت المقدسة، رغم أن داعش لم يغتصب مرقد الإمامين علي الهادي وحسن العسكري في سامراء حينما كانت هذه المدينة بين يديه.

ومعروف أن الحشد مكون من فصائل كثيرة من الميليشيات يصل تعدادها إلى أكثر من أربعين فصيلا، وهو مؤسسة عسكرية ميليشيوية يقول العبادي إنها ترجع إليه رسميا وليست مؤسسة دينية تلزم الناس بتقديسها أو عدم مس خطايا البعض من أفرادها، وإذا كان الخطاب الحكومي والحشدي يحاول تبرير هذه القدسية لما يقدمه المنتسبون من شباب العراق من دماء رخيصة فداءً للوطن، فإن الدم العراقي واحد ودماء المتطوعين في الحشد من شباب العراق والمغدورين من العراقيين تستحق وسام الشرف العالي من الجميع، ومن يستشهد دفاعاً عن أرضه لا يؤدي هذا الواجب دفاعاً عن مذهب شيعي أم سني، كما تروج لذلك وسائل الإعلام الحزبية، وإنما لأنه ابن الوطن الذي يحمّل الجميع واجبات مثلما يعطيهم حقوقاً إضافة إلى تنفيذهم فتوى مرجعهم الأعلى.

لكن هذه الهجمة الإعلامية المحمومة ضد كل من يتحدث عن انتهاكات الحشد من العراقيين أو العرب أو المنظمات الحقوقية والإنسانية العالمية منشؤها دوافع طائفية وسياسية كثيرة، وهي نابعة من مخاوف لدى قيادات الحشد ومن خلفهم إيران من مواجهة تداعيات مصير حزب الله في لبنان الذي صُنّفَ من قبل دول مجلس التعاون الخليجي والجامعة العربية منظمةً إرهابيةً، وقبل ذلك تصريحات وزير خارجية الإمارات عبدالله بن زايد بأن الحشد وداعش وجبهة النصرة وحزب الله منظمات إرهابية، وأخيراً دعوة وزير الخارجية السعودي عادل الجبير إلى تفكيك الحشد الشيعي وقيام حكومة عراقية بمشاركة الجميع. ولهذا فهم مصرون على الدخول في معركة الموصل لكي لا تصيبهم أي اتهامات مقبلة مثل حزب الله.

كما أن هناك أغراضا وأهدافا محلية وإقليمية مستحضرة لما بعد داعش وفق مناخ ترحيل الخلافات الشيعية الشيعية التي حصلت أخيراً، وما حصل من طمس وتغييب للمظاهرات الجماهيرية الشيعية في بغداد ومحافظات الفرات الأوسط والجنوب، حيث وضعت العبادي على حافة الخروج من منصبه لتبتلعها الأجواء التعبوية الجديدة لمعركة الموصل، والاستعداد للمعركة السياسية المقبلة لوصول الميليشيات إلى الحكم كبديل عن الأحزاب الشيعية التقليدية (الحكيم والصدر).

وليبقى المالكي زعيم حزب الدعوة راعياً لهذا النمط من الحكم المتطرف المطلوب إيرانياً، حيث دعا عدد من المسؤولين الكبار في قيادة الحرس الثوري الإيراني إلى قيام حرس ثوري “شيعي” في العراق تابع عقائديا للحرس الثوري الأم في إيران، ولهذا جاء تواجد قاسم سليماني في إدارة معارك الحشد في تكريت والفلوجة رغم أنهم دخلوا المدينة بعد تحريرها من قبل القوات الحكومية والقوات الأميركية.

ومن بين الأهداف المطلوبة لما بعد داعش تكريس عزلة العراق عربياً خصوصاً مع دول الخليج العربية. ويبدو أن العبادي قد رضخ أخيرا لتعليمات مسؤوله الحزبي نوري المالكي صاحب فكرة الحشد الشيعي، ولأن تشبثه بالسلطة قد تصاعد في الأيام الأخيرة وأخذ يزايد على رفاقه في البيت الشيعي بمفردات معارك التحرير ضد داعش، ويلجم المواقف الناقدة للانتهاكات. ولهذا فعند انتهاء فصل تحرير الفلوجة وما صاحبه من قتل للبعض من أهلها والزج بالآلاف في المعتقلات بتهمة التعاون مع داعش، راحت تصريحاته تأخذ منحى انتقامياً حيث اتهم شيوخها من العشائر غير المتعاونين معه بكونهم داعشيين، بعد أن تمكن من خلق عملاء من تجار المشايخ داخل الأنبار عبر المال والجاه، وهم أمراء الحرب الجدد.

لا شك في أن واجبات رئيس الحكومة وفق الدستور تضع عليه المسؤوليات الأولى لتحرير الأرض من المغتصبين الدواعش، وعليه واجبات البحث عن جميع وسائل التعبئة والحشد الوطني لا الطائفي لإنجاح معركة التحرير، ولا أن تتحول مثل هذه القضية المقدسة إلى لعبة سياسية تؤجج الفتنة الطائفية والصراع المذهبي وتعمق جراحات أبناء البلد الواحد. كما أن العبادي، وهو الذي يدعي أنه يحكم باسم الديمقراطية، عليه الامتثال لضوابطها الواضحة.

لم تنطلق المخاوف من إسهام الحشد الشعبي في معارك التحرير من فراغ، فسياسيو أهل نينوى المشاركون في العملية السياسية حذروا بعد أيام قليلة من دخول داعش للموصل وباقي المدن في 10 يونيو 2014 من مساهمة الحشد الشيعي في عمليات التحرير، وأخيراً أصدر مجلس المحافظة وقوى العشائر الموصلية بيانات رافضة لمشاركة الحشد الشعبي، وسبق أن أعلن وزير البيشمركة الكردية جبار ياور رفض حكومته السماح للحشد الشيعي بالعبور إلى الموصل من خلال أرض كردستان، لعدم وجود اتفاق مع حكومة بغداد على ذلك باستثناء الجيش.

هناك مخاوف جدية من الإصرار على إشراك الحشد الشيعي في معركة الموصل، لأن ذلك يفتقد إلى المبررات والدوافع السياسية والأمنية المعلنة من قبل العبادي وقادة الحشد، أما قوله بأن من حق كل عراقي المشاركة في المعركة فهو ليس إلا تمويها ومغالطة، وفيه تجاهل للمخاطر الجدية المحيطة بمستقبل هذه المدينة العراقية الحيوية، خلال هذه المعركة وبعدها يمكن أن تشتعل حرب طائفية أشرس وأبشع من الحرب الطائفية التي اشتعلت عام 2007 أيام حكم إبراهيم الجعفري بسبب تداخل الخنادق وتعدد مراكز القوى والاستقطابات التي ستأخذ أشكالاً مذهبية وعشائرية وقومية.

وهناك من يقول بأن هذا الإصرار خاضع لرغبات انتقامية إيرانية لكي تحكم الطوق على الحدود السورية والتركية، ويريد قاسم سليماني أن يدخل مدينة الموصل كما دخل الفلوجة وقبلها تكريت، لكن الحال ستكون مختلفة، لأن الموصل لها خصوصية عراقية وإقليمية ودولية معقدة، وليس من الحكمة السياسية أن يفتح العبادي النار على الجارة تركيا، فهو يعلم أنه في بلد وصل فيه الحال بسبب الفاسدين من منتسبي وموالي أحزاب السلطة إلى أن يستجدي القروض الخارجية لسد العجز الخطير في موازنة العراق، فعلام هذا التجبر إن لم يكن ذلك بسبب الدعم الإيراني والأميركي؟ وعلى العبادي ألا يلعب بمصير أهل العراق، وينساق إلى المخطط الطائفي المعروف بتصفية العرب السنة. وإن كان حريصا على تحرير البلد من داعش، ولا شك في ذلك، نتساءل لماذا يصر على إشراك الحشد “الشيعي” في معركة الموصل، هل أن أهلها عاجزون عن تحرير مدينتهم من داعش الذي يقتل أبناءهم يومياً وهم قادرون على طرده وفيهم رجال أكفاء وشجعان؟

لا بد للعبادي أن يتحلى بالحكمة والمسؤولية الوطنية تجاه أبناء العراق وألا يتصرف كرئيس وزراء يخدم أغراضاً حزبية وطائفية. وأن يمنح أهل الموصل الثقة بقدراتهم على طرد العدو الداعشي المجرم، أم أن داعش الذي دخل العراق بفصل من مسرحية مدبّرة سيخرج منه بفصل جديد يدفع ثمنه شعب العراق بسنته وشيعته وكرده وتركمانه وأقلياته الأخرى.

كاتب عراقي

د. ماجد السامرائي

:: مقالات أخرى لـ د. ماجد السامرائي

د. ماجد السامرائي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر