الاحد 25 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10674

الاحد 25 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10674

بالتوفيق

من يقول إنه إما يأكل الرغيف كاملا وإما يجوع، سيجوع. نصف الرغيف ليس أمرا سيئا ويستحق التنازل عن النصف الآخر. تقاسموا وتصالحوا وبالتوفيق إن شاء الله.

العرب حسين صالح [نُشر في 2016/07/19، العدد: 10339، ص(24)]

عش حياتك بالتوفيق. لا أعني بالنجاح الفأل الطيب. التوفيق هنا بمعنى الحل الوسط والمواءمة بين خيارين متناقضين دون التعصب لواحد منهما. قد تبلغ الاختيارات المئة وليس بالضرورة اثنين، ومع ذلك يمكن إيجاد وسط توفيقي.

دون أن نعي، نساوم ونوفق، حتى في تناول الطعام واختيار قطعة البطاطس التالية لنغرس فيها شوكتنا، فكل ذلك توفيق في توفيق. تكون مسترخيا مستريحا فتسمع طرقا على الباب؛ الاختيار الأول ان تستمر في جلستك المسترخية، والثاني أن تنهض وتفتح للطارق دون تردد. هنا تجد نفسك تقرر أن تستمر في جلستك قليلا لاختبار حماس الطارق، هل يستمر أو ينصرف. لو استمر ستنهض وتجيبه: هذا حل توفيقي نمارسه مع رنين التليفون أيضا.

في ثلاثية “البحث عن كارلا” لجون لا كاريه، يتوقع البطل جورج سمايلي أن ينتهي خصمه كارلا ويقول “كارلا متعصب سيدمر نفسه؛ فالحياة لا مكان فيها للتعصب، نعيش الحياة بالمواءمة”.

ولمن يريد العيش في دعة عليه ألّا يصدق رأيا واحدا إذا كان الرأيان متناقضين، ولكنهما مقنعان رغم التنافر الشديد. أنا شخصيا عندما أشاهد فيلما أو دراما تلفزيونية فيها محاكمة، أجد نفسي متفقا مع الدفاع أثناء مرافعته إلى أن ينهض الادّعاء العام. أصدق أن المتهم بريء أثناء كلام الدفاع. أسمع الادّعاء العام فاتفق معه وأؤمن بأن المتهم هو القاتل لا أحد غيره. يعني حين ينهض المدعي العام ويسوق أدلته أجدني متفقا معه.

المشكلة هي أنك إذا قلت لي لا يمكن أن تكون متفقا مع المدّعي العام ومحامي الدفاع معا سأقول “أنا أتفق معك”، وهكذا.

وهذه ليست حالة خاصة بالمحاكم. الرجل منا يجد نفسه متفقا مع الطرفين المتناقضين إذا نشب نزاع بين امرأتين. في أي نقار بين زوجة الرجل وأمه، مثلا، سيجد نفسه متفقا مع كل منهما. النساء عندهن قدرة خارقة على الإقناع حسب وجهة نظرهن تفوق ما لدى أكبر المحامين. السر يكمن في أنهن يستطعن بسهولة ليّ أعناق الحقيقة ودون أن يشعرن أنهن يلوين عنق الحقيقة. يعني كل واحدة ستسرد الوقائع وهي واثقة تماما من أنها مظلومة وأنها لا تمثل دور الضحية بل هي ضحية حقيقية.

القدرة على التوفيق وإيجاد مخرج بالملاءمة أعفيا البشرية من حروب كثيرة ونزاعات شريرة. التوفيق أساس المفاوضات. بين حكومة بريطانيا والجيش الجمهوري الأيرلندي دم. لكن الاقتتال توقف بالقدرة على التوفيق لا بشيء آخر.

وجود طرف متعصب لا يلين يسبب في مجازر كبرى. طرف واحد أشعل الحرب العالمية الثانية وقتل فيها 80 مليون إنسان. وليس القرن الثامن عشر في أوروبا ببعيد، ما كانت تمر سنة دون حرب. والواقع العربي الحالي أيضا ما فيه قدرة على التوفيق، الدبلوماسية كلها قوامها المواءمة والتوفيق.

من يقول إنه إما يأكل الرغيف كاملا وإما يجوع، سيجوع. نصف الرغيف ليس أمرا سيئا ويستحق التنازل عن النصف الآخر. تقاسموا وتصالحوا وبالتوفيق إن شاء الله.

حسين صالح

:: مقالات أخرى لـ حسين صالح

حسين صالح

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر