الجمعة 17 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10815

الجمعة 17 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10815

نزهة المشتاق وغصة العشاق في الجزائر والعراق

اليوم أعود إلى هذا النص، في ظل عراق ممزق لم يعد أرض الترياق ولكنه بات هو وجواره السوري معا أرض القتل والخراب وانتهاك الاعراض وموت الأمل.

العرب نوري الجراح [نُشر في 2013/11/17، العدد: 9382، ص(11)]

قبل سنوات كنت في رحلة إلى الجزائر، وخلال وجودي في صحراء بشار، فتح لي رجل عجوز صندوقا خشبيا، وقال لي أنظر هذا المخطوط. قلبته بيدي، فإذا به مخطوط لرحلة إلى الأندلس كتبها في القرن السادس عشر مبعوث مغربي هو محمد الغساني الأندلسي الذي أرسله السلطان مولاي اسماعيل إلى مدريد للقاء الملك كارلوس الثاني. ولهذا المخطوط قصة أسردها في وقت آخر.

وبما أن كل رحلة مغامرة، ومن المغامرات ما ينتهي باكتشاف، فقد كان الاكتشاف الثاني عثوري على كتاب مطبوع كان له عندي وقع اكتشاف مخطوط لم يطبع وكان هذا الكتاب عبارة عن نص مسرحي يعود إلى أواسط القرن التاسع عشر. وعلى الرغم من أنني كتبت عن هذا المخطوط، لما في عنوانه الذي يتصل بالعراق من إثارة خاصة، إلا أن أحدا من المسرحيين العراقيين لم يهتم بالأمر، وقد كتبت عنه في أواسط العقد الماضي.

واليوم أعود إلى هذا النص، في ظل عراق ممزق لم يعد أرض الترياق ولكنه بات هو وجواره السوري معا أرض القتل والخراب وانتهاك الاعراض وموت الأمل.

معروف أن رواد المسرح العربي الأشهر ثلاثة: اللبناني مارون نقاش الذي اقتبس وأخرج للمسرح سنة 1847 مسرحية البخيل لموليير، وأبو خليل القباني الذي كتب وأخرج للمسرح في دمشق عدداً من الأعمال المسرحية بدءاً من سنة 1856، ويعقوب صنوع الذي بدأ نشاطه المسرحي سنة 1870 بمسرحية من فصل واحد. وثلاثتهم مشارقة، ومن بلاد الشام التي تحترق اليوم. وإذا كان نقاش اعتمد على الترجمة والنقل لتأسيس مسرح عربي، فإن القباني الدمشقي بدأ بأعمال كتبها بنفسه واعتمد اللغة الفصحى أساساً، وركز في مسرحه على الرقص والغناء والإنشاد، بينما انصرف يعقوب صنوع إلى توظيف التراث الشعبي بواسطة حوارات كتبت باللغة المحكية.

الجديد في الأمر، وهو ما يستدعي إعادة النظر في كتابة تاريخ المسرح العربي، أن أقدم نص مسرحي كتب وطبع في كتاب كان جزائرياً. النص كتبه ونشره في الجزائر سنة 1847 ابراهام دنينوس، وعنوانه "نزاهة المشتاق وغصة العشاق في مدينة طرياق في العراق".

كنت يومها قلَّبتُ الكتاب بين يدي بدهشة، كيف يغيب عن الأذهان أمر كهذا؟.. قرأت النص أولاً، ورغم أن حواراته وأنشوداته كتبت باللهجة المحكية الجزائرية، إلا أنني لم أجد صعوبة في فهم القصة والسياق العام وحتى التمتع بالحوارات التي حفلت بتراكيب وعبارات غير مألوفة لمشرقيٍّ. ولما فرغت من النص عدت، إذ ذاك، إلى المقدمة التي كتبها محقق النص الباحث الجزائري مخلوف بوكروح، فأضاءت لي على تاريخ النص، وأدرجته في سياقه العربي بطريقة علمية تخلو من الزهو بمغاربية النص، أو المناكفة لنا نحن المشارقة الذين طالما اعتبرنا المشرق أرض الابداع والخلق والابتكار، حتى عندما يكون ذلك على حساب حقائق التاريخ.

يجمع التأريخ المعروف للمسرح على أن النشاط المسرحي في عموم المغرب العربي بدأ مع مطلع القرن العشرين وليس قبل ذلك، على رغم أن الفرنسيين أدخلوا المسرح إلى الجزائر بعد فترة وجيزة من احتلال الجزائر سنة 1830، وتشهد على ذلك أبنية المسرح المنتشرة في المدن الجزائرية الكبرى كقسنطينة وعنابة ووهران والجزائر العاصمة وغيرها. في حين بنى الإسبان مسرح سرفانتيس في طنجة، التي كان لها وضع دولي، في 1913.

ويعود تاريخ إنشاء مختلف مسارح الجزائر إلى الفترة الممتدة ما بين أواسط القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين. ظهور نص دنينوس يؤشر على وجود محاولات مبكرة لكتابة الأعمال المسرحية بالعربية. وفي نظري أن البحث سيقود مستقبلاً إلى نصوص أخرى غير هذا النص الذي يمزج كاتبه بين العربية الفصحى والعامية الجزائرية. وحسب المعلومات التي وردت في مقدمة بوكروح، فإن البدايات المسرحية المؤرخ لها قبل ظهور هذا النص ارتبطت بالعرض، والممارسة المسرحية بالاعتماد على نصوص محلية، وليس على نصوص مترجمة أو أجزاء من التراث العربي المكتوب. وبالتالي فهي نصوص كتبت خصيصاً للعرض وليس للنشر في الكتب أو الصحافة. ويلاحظ بوكروح أن هذه السمة غلبت على المسرح الجزائري إلى اليوم، فليس هناك تقليد يقول بنشر النصوص المسرحية. فهي، كما يسميها، "نصوص وظيفية". وهذه الحقيقة تضاعف من أهمية الاكتشاف الذي نحن بصدده، فمسرحية دنينوس، هي أقدم نص مسرحي عربي مطبوع مشرقاً ومغرباً، ولا يقلل من أهميتها على الإطلاق أن يكون تاريخ كتابتها ونشرها سابقاً على عرضها على خشبة المسرح.

أول من اكتشف النص الباحث البريطاني فيليب سادجروف، والنص محفوظ بمكتبة المعهد الوطني للغات والحضارات الشرقية بباريس تحت الرقم 2482. وهو مكتوب بخط مغربي ومطبوع على الحجر سنة 1847 على شكل دفتر صغير من 62 صفحة. أما مؤلفه فهو مترجم في المحكمة الأهلية في الجزائر يرجح بعض المؤرخين الجزائريين أن يكون ولد سنة 1798 وتوفي سنة 1872، ويذكر أنه عمل أيضاً في محكمة التجارة في باريس.

المسرحية تقوم على 22 شخصية بينها 8 أدوار نسائية، وكلها تنتمي إلى البيئة الجزائرية، وتتحدث عن قصة حب تدور أحداثها في مدينة متخيلة، والعصر غير محدد، وتقوم على حكايتين متوازيتين تستغرقان العرض المسرحي، وهي ذات نهاية سعيدة. وجرياً على عادة الكتاب العرب القدامى ختم المؤلف عمله بالجملة التالية: "تم كتاب نزاهة المشتاق وهذا آخر ما تيسر لنا من تأليفه والحمد لله رب العالمين آمين".

إنها، إذن، أول مسرحية ألفت ونشرت باللغة العربية، أما الإشارة إلى العراق في عنوانها، فهي انعكاس لما لاسم العراق من قيمة خاصة لا سيما انه كان مسرحا لكثير من الوقائع الحقيقية والمتخيلة التي وردت في النصوص السردية العربية، ومنها حكايات الشطار والتجار البحارة والمغامرين.

نوري الجراح

:: مقالات أخرى لـ نوري الجراح

نوري الجراح

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر