الثلاثاء 28 فبراير/شباط 2017، العدد: 10557

الثلاثاء 28 فبراير/شباط 2017، العدد: 10557

حلم الشاشات العملاقة

كانت أجهزة العرض توضع في أعلى بناية معينة، ثم تسقط الصور على الواجهة العلوية من البناية المقابلة، وكانت هذه العروض تقام بالطبع بعد أن يحل الظلام.

العرب أمير العمري [نُشر في 2016/07/20، العدد: 10340، ص(16)]

شعرت بنوع من الغيرة وأنا أشاهد كيف قام الألمان والفرنسيون والإنكليز بوضع شاشات عملاقة في طريق البوابة القديمة في برلين (براندنبرغ)، وبطول طريق الشانزليزيه في باريس، وملء ساحة “الطرف الأغر” في قلب لندن، حيث كان يتجمع عشرات الآلاف من المشجعين لمشاهدة مباريات منتخبات بلادهم في بطولة كأس الأمم الأوروبية لكرة القدم الأخيرة، وكانت هتافاتهم الصاخبة تتصاعد كما لو كانوا يتخيلون أنها يمكن أن تصل إلى اللاعبين الذين يلعبون في ملاعب بعيدة، في فرنسا.

سبب شعوري بالغيرة أنني تمنيت أن تستغل بلديات العواصم الأوروبية التي ذكرتها، مناسبة انعقاد مهرجانات السينما الدولية التي تقام سنويا في برلين ولندن وكان الفرنسية، لكي ترفع شاشات عملاقة، تعرض عليها مختارات من أفلام المهرجان للجمهور بالمجان، أو من كلاسيكيات السينما التي تتم استعادتها وترميم نسخها وتجديدها سنويا، خصوصا الكلاسيكيات الصامتة التي يمكن أن تعرض في الساحات العامة، مع الموسيقى البديعة المصاحبة لها التي كتبها البعض من أعظم مؤلفي الموسيقى في العالم.

إنني أفكر مثلا في عروض لأفلام صامتة مثل “المدرعة بوتمكين” لأيزنشتاين، و”البحث عن الذهب” (1925) و”العصر الحديث” (1936) لشابلن، و”التعصب” (1916) لرائد الفيلم الأميركي ديفيد وورك غريفيث، و”برلين: سيمفونية مدينة عظيمة” (1927)، و”الأم” (1926) لبودوفكين، و”الجشع” (1925) لإريك فون شتروهايم وغير ذلك.

أتذكر أنه في إحدى دورات مهرجان روتردام السينمائي الدولي، ابتكرت إدارة المهرجان طريقة خاصة، باستخدام التقنية الرقمية الجديدة، لعرض نسخ من بعض الأفلام الكلاسيكية، ليس على شاشات عملاقة مع أنظمة صوت متقدمة، بل على جدران بعض المباني شاهقة الارتفاع التي تتميز بها المدينة التي كانت قد دمرت بكاملها خلال الحرب العالمية الثانية وأعيد بناؤها على غرار طرز العمارة النيويوركية، أي الصناديق المرتفعة المصنوعة من الحديد والزجاج والأسمنت.

وكانت أجهزة العرض توضع في أعلى بناية معينة، ثم تسقط الصور على الواجهة العلوية من البناية المقابلة، وكانت هذه العروض تقام بالطبع بعد أن يحل الظلام، وكان المشاهدون يقفون لبعض الوقت في الشارع يتطلعون إلى هذه الخيالات دون أن يسمعوا الصوت، ثم يمضي كل منهم في حال سبيله، فقد كان من المستحيل أن يقف المرء لفترة طويلة في طقس شديد البرودة (يقام المهرجان عادة في أواخر شهر يناير)، لذلك فقد فشلت التجربة ولم يعاودها المهرجان مرة أخرى، فقد كانت أشبه بـ”تقليعة” من التقاليع من دون أي معنى حقيقي.

كان قدماء اليونان يذهبون إلى عروض المسرح التي كانت تقام في المسارح القديمة التي تشبه بمدرجاتها الحجرية المتعددة الملاعب الرياضية، للفرجة على الملاحم والتراجيديات التي كانت تمتد على طول اليوم كله، وكانوا يحملون معهم الطعام والشراب، ويصبح العرض “فرجة” ممتدة تماما مثل ألعاب “الأولمبياد”. وكان المخرج الإيطالي الراحل سيرجيو ليوني يميل إلى صنع أفلام ملحمية طويلة، وقد أعرب ذات مرة عن رغبته، أو بالأحرى، عن حلمه، بأن تعرض مثل هذه الأفلام في “الاستادات” أو الملاعب الرياضية الكبيرة على شاشات عملاقة، وأن يجتمع الجمهور بعشرات الآلاف لمشاهدة هذه الأفلام، وهو ما يدفعني إلى أن أتساءل بحسرة: أين نحن اليوم من هذا الحلم بعد أن تضاءلت شاشة المشاهدة ووصلت إلى حجم شاشة الكومبيوتر أو حتى التليفون المحمول، وانعزل المشاهدون عن بعضهم البعض!

يمكن بالطبع أن تتخذ بلديات مدن مثل لندن وبرلين وطوكيو وباريس قرارا بعرض الأفلام في الساحات العامة، خاصة وقت إقامة المهرجانات، كما يحدث مع مباريات كرة القدم وقت المسابقات الدولية، وقد علمت أن بلدية فيينا تقوم بذلك فعلا، ولكن المؤسف أنني لا أستطيع أن أتخيل شيئا مشابها في العواصم العربية بعد أن أصبحت تمتلئ بالضجيج والآذان وانفجارات القنابل، ناهيك عن ظاهرة “التحرش الجنسي”، وهو ما يعني أننا في حاجة إلى وسائل أخرى لتهذيب أنفسنا، قبل أن نصل إلى مرحلة العروض السينمائية الجماعية الحاشدة!

أمير العمري

:: مقالات أخرى لـ أمير العمري

أمير العمري

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر