الثلاثاء 22 اغسطس/اب 2017، العدد: 10730

الثلاثاء 22 اغسطس/اب 2017، العدد: 10730

لوحات بالكلمات

تنسب أغلب تلك اللوحات المتخيلة لرسامين وهميين، بيد أن الفن الروائي انشغل على الدوام بالتحف الفنية الكبرى واللوحات الخالدة لفنانين عالميين كبيكاسو ورامبرانت.

العرب شرف الدين ماجدولين [نُشر في 2016/07/20، العدد: 10340، ص(15)]

تبدأ رواية “الإنجيل يرويه المسيح” لجوزي ساراماغو، على النحو التالي “تبزغ الشمس من إحدى الزوايا العالية، إلى يسار أي شخص ينظر إلى الصورة”، قبل أن يشرع السارد في وصف مكونات لوحة متخيلة عن صلب المسيح، ضاجة بالتفاصيل والشخوص الإنسية والملائكية المعذبة والشموس الناطقة، مقاطع وصفية لا تنسى، تحكي انطباعات الناظر عما يعتمل في اللوحة من أحاسيس جهنمية، وتستكمل المحتمل في الصورة عبر تأويلات مخترقة بالشك والحيرة.

هكذا على امتداد أزيد من ست صفحات، تُفتتح الرواية الجليلة، ويعيش القارئ داخل لوحة، تكون بمثابة العالم التخييلي الكامل الذي تدور باقي الفصول في فلكه. يسمي نقاد الفن الروائي هذه التقنية السردية بـ”الإكيفرازيس”، وهي ما يمكن ترجمته بـ”الوصف الروائي للوحة”، حيث تتحول الرسومات والمنحوتات والتركيبات إلى مكون نصي وتكوين جمالي، وآلية أسلوبية في تخييل المعاني الإنسانية، سنجد هذه التقنية في أغلب روايات القرنين الثامن والتاسع عشر، حيث ازدهر الفن الرومانسي المولع بالوقائع والشخصيات التاريخية، واخترق جدران المنازل والقصور والصالونات، وشكل أعلامه ومدارسه وتحفه الفنية أحد ملامح المشهد الثقافي الأوروبي، الذي احتضن روايات تولستوي وستاندال وفيلدينغ وجين أوستين وفلوبير ودستويفسكي وغيرهم ممن تملكهم النزوع التاريخي، الذي ركب الرسامين الرومانسيين.

تنسب أغلب تلك اللوحات المتخيلة لرسامين وهميين، بيد أن الفن الروائي انشغل على الدوام بالتحف الفنية الكبرى واللوحات الخالدة لفنانين عالميين كبيكاسو ورامبرانت ودافينشي وسيزان وجياكوميتي موديغلياني وغوغان والعشرات غيرهم، وتحولت البعض من أعمالهم الشهيرة، إلى مرجعيات بصرية هادية للسرد، ومثيرات ذهنية محورية تلملم مفاصل الروايات، وتحقق تلك الوحدة التي تحدث عنها الروائي يشار كمال والرسام عابدين دينو في محاورتهما بعنوان “الوجه والقفا”.

يمكن أن نقرأ الفصل الطويل الذي خصصته رضوى عاشور للوحة “لاغيرينكا” لبيكاسو في نصها “أثقل من رضوى”، إذ تعيد ترتيب مقامات التخييل، وتنقلها من حدث الجريمة الواقعي في ميدان التحرير إبان ثورة يناير، إلى ذاكرة القمع الفاشي للثورات الإنسانية، كما يمكن أن نقرأ ذلك المقطع الطويل الذي خصصه عبدالكريم الجويطي في روايته “المغاربة”، حديثة الصدور، للوحة غويا “عراك بالهراوات”، حيث ينتقل من حرب الصحراء إلى تخييل كنه المجابهة الإنسانة الأزلية عبر شخصيتي غويا، فتتداخل حرارة الصحراء ولعلعة الرصاص والتوق الجهنمي إلى الغلبة، مع ما يعتمل في اللوحة من انخراط جارف للأيدي والعصي في حمى القتل الأسطوري، وتدريجيا تتحول اللوحة إلى ملك للروائي تتكلم حروفا وكلمات، لا ألوانا وضياء.

كاتب من المغرب

شرف الدين ماجدولين

:: مقالات أخرى لـ شرف الدين ماجدولين

:: اختيارات المحرر