الاثنين 23 يناير/كانون الثاني 2017، العدد: 10521

الاثنين 23 يناير/كانون الثاني 2017، العدد: 10521

العالم تغير فعلا

يخيّل إليّ دائما أن الانقلاب لا يكون إلا فجرا، فماذا إذا كان في المساء، وتحديدا في مساء يوم صيفي، عندما تكون الشوارع والساحات والمطاعم والحانات والفنادق والكباريهات تعج بالسواح الزائرين والرواد المحليين؟

العرب الحبيب الأسود [نُشر في 2016/07/20، العدد: 10340، ص(24)]

قبل أعوام مضت، كنّا نسمع عن الانقلابات العسكرية في نسختها الكلاسيكية، وكيف أن أول ما يقوم به الانقلابيون هو السيطرة على الإذاعة والتلفزيون الرسميين بهدف احتكار وسيلة التواصل مع الشعب وقطع الطريق أمام النظام المنقلب عليه حتى لا يخاطب أنصاره، ولا يدعوهم للخروج إلى الشارع.

اليوم، لم يعد مهما أن تسيطر على مبنى الإذاعة والتلفزيون الحكومي، فالقنوات الإذاعية والتلفزيونية الخاصة، وخاصة تلك القريبة من الحزب الحاكم، يمكن أن تطيح بالانقلاب، والقنوات الفضائية الخارجية يمكن أن تتحول إلى قنوات محلية في لحظة تعرض من تراه حليفا للدولة التي تطلقها أو للجماعة التي تمولها إلى خطر الإطاحة به.

وقبل أعوام، كانت السيطرة على وكالة الأنباء الرسمية تعني وضع اليد على المصدر الأول للخبر الذي يتم تصديره إلى الداخل والخارج، أما اليوم فأنت أمام عالم مفتوح وسيل من الأخبار لا يحدّه حدّ، وبخاصة من خلال مواقع الإنترنيت وصفحات التواصل الاجتماعي والتطبيقات الحديثة القادرة على تحويل هاتف ذكي يباع على الرصيف إلى وسيلة إعلام ناجعة تنقل الحدث بالصوت والصورة إلى العالم كله.

وقبل أعوام، كانت أخبار الانقلابات لا تنتشر إلا بعد التأكد من نجاحها أو فشلها، ولا يعلن عن قادتها إلا بعد ساعات أو ربما بعد أيام، وكان نجاح أي انقلاب يكمن في هالة الغموض المحيطة به، أما اليوم، فإن أي حدث كهذا سيُنقل مباشرة عبر وسائل الإعلام الأجنبية، وسيبدو المشهد كمباراة رياضية على القنوات المفتوحة، وسينقسم الجمهور بين مشجع للمنقلِب ومتعاطف مع المنقلَب عليه، وستبدو المواقف الداخلية والخارجية متفاعلة مع مراحل الانقلاب منذ بدايته إلى نهايته سواء بالفشل المؤكد أو بالنجاح المشكوك فيه.

وقبل أعوام، كانت وثائق الانقلابيين من ورق، يمكن حرقها أو إتلافها بأي طريقة ممكنة في حالة فشل محاولة الانقلاب، أما اليوم فأغلب الاتصالات تمر عبر وسائل إلكترونية يمكن تفتيشها من قبل المسيطرين على مخازن المعلومات، ويمكن اختراقها من قبل ويكيليكس، فأنت قد تضع المعلومة على جهازك بإرادتك، ولكن مسحها من الذاكرة سيكون مستحيلا حتى وإن اعتقدت عكس ذلك.

وقبل أعوام، كانت هناك قوى متنافسة، ومتضاربة المصالح، ويمكن للانقلابي في حال فشله، أن يفر من بلده إلى بلد آخر، ليجد من يحميه ويساعده على الاستعداد لجولة انقلابية جديدة، أما اليوم فلا أحد يمنح اللجوء لمن تورط في محاولة انقلاب ضد نظام خصوصا إذا كان يوصف بأنه منتخب ديمقراطيا.

شيء آخر يؤرقني: يخيّل إليّ دائما أن الانقلاب لا يكون إلا فجرا، فماذا إذا كان في المساء، وتحديدا في مساء يوم صيفي، عندما تكون الشوارع والساحات والمطاعم والحانات والفنادق والكباريهات تعج بالسواح الزائرين والرواد المحليين؟ هل يمكن حينها تطبيق حظر تجوال مثلما قرّر انقلابيو تركيا؟

لقد تغيّر العالم فعلا.

الحبيب الأسود

:: مقالات أخرى لـ الحبيب الأسود

الحبيب الأسود

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر