الاثنين 23 يناير/كانون الثاني 2017، العدد: 10521

الاثنين 23 يناير/كانون الثاني 2017، العدد: 10521

فليخرج المفكر المصري ويخبرنا ما الذي يجري في العراق

انطفأت نار الشجعان الأنباريين في الفلوجة وتم حرق مساجدهم وبيوتهم ورجالهم، وأصبحوا متهمين بكل شيء حتى في أعراضهم، فلم يكن تحريرا من داعش بل انتقاما من المدينة وأهلها وتاريخها، والشيء نفسه سيتم ربما في الموصل.

العرب أسعد البصري [نُشر في 2016/07/21، العدد: 10341، ص(8)]

الدولة الإسلامية تمترست في مدينة الفلوجة والموصل ومدينة الرقة. هذه هي الحواضر القومية العربية تاريخيا، وداعش ربما آخر رفسة للإسلام العربي. فالعرب لم يُهزموا في العراق قوميا بحزب البعث فقط، بل ستتم هزيمتهم عقائديا باختزال الإسلام الوهابي العربي، في وصفه إسلاما متوحشا بربريا إجراميا. سيصعّد الإسلام الإيراني والإسلام التركي.

نسختان فيهما تصوف وأضرحة وإدارة معاصرة، ثم ما معنى عرض رجب طيب أردوغان الجنسية التركية على اللاجئين؟ ألا يعني ذلك أن السلطان العثماني يستعيد مواطنيه العثمانيين الذين سلبهم منه الإنكليز والفرنسيون قبل مئة عام بالقوة. يستعيدهم بعد أن ذبحهم العلويون في سوريا، وبعد أن ذبحهم الصفويون في العراق، وبعد أن تركهم أشقاؤهم العرب يموتون صرعى في الفلاة لا ناصر لهم، صرعى كأبطال إغريقيين تحت نجوم غريبة، كآخر فرسان صليبيين حول كنيسة شرقية تحترق ومحاصرة.

ربهم العظيم (رب الفتيات الأنباريات اليتيمات) الذي اعتاد أن يدمدم على أعدائهم عبر العصور، يبدو أنهم يتوجهون إليه بالدعاء على أمل خافت. لقد انطفأت نار الشجعان الأنباريين في الفلوجة وتم حرق مساجدهم وبيوتهم ورجالهم، وأصبحوا متهمين بكل شيء حتى في أعراضهم، فلم يكن تحريرا من داعش بل انتقاما من مدينة وأهلها وتاريخها، والشيء نفسه سيتم ربما في الموصل.

هذه السياسة الأميركية هدية عظيمة للإمبراطور الإيراني، وهدية عظيمة للإمبراطور العثماني من أجل زعزعة ثقة العرب في أنفسهم وتحويلهم إلى قطاع طرق ودعم الحشد الشيعي الذي يشبه جيش الكركة البريطاني والمتطوعين الهنود الذين كانت تقودهم حفنة من الضباط الإنكليز لفتح العالم.

وما هو التاريخ العربي المعاصر؟ أليست القومية العربية التي بدأت بالهاشميين والوهابية التي بدأت بالشيخ محمد بن عبدالوهاب، وكلا الخيارين في حالة انهيار. وماذا ستفعل الطائرات الأميركية؟ إنها تهرب من الواقع كلما حلقت في السماء، فنحن نعيش حالة من الانسداد التاريخي وبحاجة إلى حلول سياسية وليس المزيد من الصواريخ.

توقفت الطلعات الجوية على داعش بعد فشل الانقلاب التركي الذي انتظرناه طويلا. يقولون بسبب توقف الطيران في الأجواء التركية. لماذا لا يقصفون كما كانوا في السابق من قواعد أخرى؟ لقد أوقفت طلعاتها الجوية مؤقتا لالتقاط الأنفاس والتفكير وألغت الولايات المتحدة اتهاماتها المجحفة بحق السعودية وتورطها بأحداث 11 سبتمبر، وصرحت علنـا على أعلى المستويات بأن لا شيء في الصفحات الـ28 المزعومة يشير إلى أي تورط سعودي قانوني.

كيف تحارب واشنطن الإرهاب وتحد من الطموحات الإمبراطورية لإيران وتركيا، وهي تؤذي أهم حليف عربي لها كالسعودية. الحقيقة أن أميركا غرقت في التاريخ الإسلامي ولا تعرف ماذا تفعل؟ ثم إن الدولة الصفوية والدولة العثمانية دولتان كبيرتان بينهما تفاهمات وعلاقـات حتى أثناء الحروب القديمة. بعد فشل محاولة الانقلاب التركي يصرح الرئيس الإيراني حسن روحاني بأن “محاولة الانقلاب كانت تجربة جيدة لمعرفة الأصدقاء والأعداء في الداخل والخارج” وأن “الشعب التركي أظهر نضجا سياسيا في الدفاع عن الديمقراطية والحكومة المنتخبة” ويرد عليه أردوغان بالعزم على التعاون مع إيران وروسيا لحل قضيا المنطقة ووضع أيدينا في أيدي بعضنا.

لا تستطيع أميركا تحريض إمبراطورية قديمة على إمبراطورية قديمة تمتلكان تقاليد سياسية منذ المئات من السنين. السياسيون الفرس والأتراك عندهم خبرة متراكمة تمتد إلى خمسة قرون، والدليل على ذلك أنه رغم اختلافهما في سوريا لم يحدث احتكاك بل ازداد التبادل التجاري بينهما، بينما حين تدخلت روسيا خلال أسابيع في الملف السوري حدث احتكاك عسكري وسقطت طائرة روسية.

هذا موضوع تاريخي كبير ومعقد، حيث أن العلاقة بين خامنئي وأردوغان كعلاقة السلطان مراد مع الشاه عباس، يتقاتلان في مكان ويتعاونان في مكان آخر.

بعض الكتاب المصريين يقول نحن لا يهمنا ذبح السنة في العراق وسوريا، المهم عندنا ألا تسير الأزمة باتجاه يجعل من أردوغان قوة إقليمية حاسمة، فهذه المظالم قد تؤدي إلى ظهور بطل سني والأنظار موجهة على أردوغان.

هذا صحيح وأتفق مع زملائي المصريين في حقيقة وجود خطر، ولكن هل تمجيدكم للميليشيات الإيرانية والحشد الشعبي والجيش الأسدي، سيقلل من هذا الخطر أم يصب الزيت على النار؟ هل أؤيدكم في هذه اللامبالاة بأهلي وشعبي وأطفال بلادي؟ غير ممكن.

نحتاج إلى مساعدة من المفكرين المصريين. أساتذتنا العرب الكبار رجاء أخرجوا من الجامعات وخاطبوا الشعب العربي، لقد سئمنا الصحافيين السطحيين.

فتيات الفلوجة الصغيرات في الصحراء يبنين خيمة كبيرة ويدخلن فيها دورات لحفـظ القرآن الكريم. من أكثر المشاهد حزنا، فبعد ذبح آبائهن بتهمة داعش، يجلسن في الرمضاء يحفظن القرآن الكريم. ماذا يفعلن؟ لا توجد إمكانية لتعلم الرقص الأسباني.

طفلة فلوجية مشردة عمرها ست سنوات أحرقت التواصل الاجتماعي، وجه جميل وعينان خضراوان وابتسامة مع دمعة في العين، يسألها الصحافي ما اسمك؟ تقول لا اسم لي، أين أبوك؟ قتلوه، هل أكلت شيئا؟ تبتسم وينهمر الدمع! وحين يطلب منها الكلام تخفي وجهها بيدها وتجهش باكية. لهذا السبب أريد من مفكرينا المصريين بالذات أن يخرجوا ويخاطبوا العرب ما الذي يجري؟ أعلمونا رجاء.

كاتب عراقي

أسعد البصري

:: مقالات أخرى لـ أسعد البصري

أسعد البصري

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر