الجمعة 26 مايو/ايار 2017، العدد: 10644

الجمعة 26 مايو/ايار 2017، العدد: 10644

الوحش المضاعف

النظرة إلى الذات وإلى الإنسان وإلى العالم الواقعي الذي نعيش فيه، هي من حركت داخلية الفنان الغارفيكي السوري سيف طحّان وليست موجة التحريم والتجريم.

العرب ميموزا العراوي [نُشر في 2016/07/22، العدد: 10342، ص(17)]

ربما كان من الأجدى ألا يُسارع البعض في العالم العربي إلى التحريم والتجريم في ما يخص لعبة “البوكيمون غو”، وهي لعبة واقع معزز أو مُضاعف مخصصة للهواتف الذكية انتشرت بشكل خارق في العالم فور إطلاقها، بقدر ما كان يجب التفكّر بأن ما يحدث فعلا هو تغيّر جذري في النظرة إلى الذات، وإلى الإنسان وإلى العالم “الواقعي” الذي نعيش فيه.

تغيّر يجب فضحه وتعميق النظر فيه من وجهة نظر عربية، نيابة عن شعب عربي كامل عانى الأمرّين ولا يزال تحت رحمة الأزرار المكبوسة والمساحات “الإنترفيسية” التفاعلية التي يمتلك مفاتيحها وأفعالها الشق الآخر من العالم، وإن كان هذا القسم من العالم لم يعد منذ فترة في مأمن عن الحرائق الشرق أوسطية التي إذا لم يحدثها، فهو شارك في تأجيجها وتوسيعها لغاية في نفس يعقوب.

هذه النظرة إلى الذات وإلى الإنسان وإلى العالم الواقعي الذي نعيش فيه، هي من حركت داخلية الفنان الغارفيكي السوري سيف طحّان وليست موجة التحريم والتجريم.

في ست صور ركبها بفنية عالية تصور المآسي السورية اليومية نشرها على صفحته الفيسبوكية، تماهى الفنان مع اللعبة ودمج المأساة الواقعية مع اللعبة الافتراضية، ولكن ضمن شروطه الخاصة.

ففي حين تقوم لعبة “بوكيمون غو”، وتأتي التسمية من كلمتين يابانيتين وتعنيان “وحوش الجيب”، على مبدأ البحث عن كائنات البوكيمون المختبئة ومحاولة التقاطها عن طريق الطابة الحمراء والبيضاء المخصصة لذلك، ركّز سيف طحّان الضوء على محاولات العثور على المساعدات الطبية والتعليم وإنقاذ المهاجرين من الغرق وغيرها من اللقطات تحت عنوان “سوريا غو”، هكذا أخرج اللعبة العالمية من تفاهتها، لا بل من خطورتها الفلسفية الما بعد حداثية.

جرّد سيف طحّان “اللعبة البريئة” من إطارها الوحشيّ عبر كشف تداعياتها وأبعادها من ناحية وأنسنتها بشكل دراميّ وحساس جدا من ناحية أخرى، خدم بها الأزمة السورية التي اكتسبت تسمية مُستحقة في وجه العالم المُتسخ بألعابه السياسية، وهي “القضية السورية”.

بصوره تلك ولصالح الغافل عن أمره، لفت النظر، بذهنية المقارنة، إلى اللعبة السياسة العالمية القاتمة التي تستشري فصولها اليوم عبر فوضى المواقف الظاهرية والأفعال غير المعنية بالألم ولا بالأذى الذي تلحقه بالآخرين.

بدّل الفنان الجغرافيا البصرية التي تلاقح فيها الخيال مع الواقع، الواقع حسب ما نفهمه إلى حد الآن، حوّل العناصر المرئية ليس في خدمة العبث الرقيع في الشوارع والأماكن الموقرة منها كالمدافن والصروحات التذكارية لمآس إنسانية موثّقة، والرغبة المستميتة في قهر الآخر وسلبه حريته، بل في خدمة القضية السورية، والقضية العربية بشكل عام.

حازت تلك الصور على إعجاب العديد من مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي، إذ نالت ما يفوق الـ10 آلاف إعجاب والمئات من المشاركات.

لعل صور الفنان الغرافيكي السوري سيف طحّان تذكر بشكل كبير بالخلفية الفكرية للعديد من لوحات الفنان التشكيلي السوري تمام عزّام، صاحب هذا الكلام المؤثر الذي قاله من وحي صمت العالم ووحشة الموت السوري “حين لا يأتي العالم إلى سوريا، تذهب سوريا إلى العالم”، تناول عزّام هو أيضا المأساة السورية عبر اختياره وتحويله عددا من الروائع الفنية لفنانين عالميين من أمثال الفنان غوستاف كليمت والفنان فانسان فان غوغ والفنان بول غوغان والفنان سالفادور دالي إلى أعمال تنطق بالجرح السوري الذي يختصر عذاب الإنسانية، مما أعطى هذه اللوحات “قيمة مُضاعفة”.

مثلما اعتبر الفنان الغرافيكي سيف طحّان أن العالم الافتراضي العالمي كما هو مُشكل في لعبة “بوكيمون غو”، هو عالم هشّ ومخروق بواقع إنساني مأزوم، وافق الفنان التشكيلي والديجيتالي تمام عزّام، وعلى طريقته الخاصة، المفكر والكاتب الفرنسي أندري مالرو حين قال بأحقية وحيوية “المتحف الخيالي”، هذا المتحف الذي يتخطى جدران وأروقة المتاحف ليأخذ حجم العالم.

ناقدة من لبنان

ميموزا العراوي

:: مقالات أخرى لـ ميموزا العراوي

ميموزا العراوي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر