الاثنين 23 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10790

الاثنين 23 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10790

'13 ساعة.. جنود بنغازي السريون'هوليوود في ليبيا

  • يعتبر الفيلم الأميركي “13 ساعة.. جنود بنغازي السريون” للمخرج مايكل باي (صاحب فيلم “بيرل هاربور”) أول فيلم هوليوودي تدور أحداثه في ليبيا بعد سقوط نظام معمر القذافي، بتركيز خاص على الهجوم الذي استهدف مقر السفير الأميركي في بنغازي وقامت به جماعة من الإسلاميين المتشددين مساء 11 سبتمبر 2012 ونتج عنه مصرع السفير وثلاثة من مساعديه وحراسه.

العرب أمير العمري [نُشر في 2016/07/22، العدد: 10342، ص(16)]

فيلم يصطبغ بالميلودراما

موضوع الفيلم الأميركي “13 ساعة.. جنود بنغازي السريون” للمخرج مايكل باي بطبيعته سياسي، لكن كاتب السيناريو يبتعد كثيرا عن السياسة ويجرد الموضوع ليجعله صراعا بين الخيرين والأشرار في بيئة مليئة بالغرابة والأشرار، وكأننا أمام أحد أفلام “الويسترن” التي يدور فيها القتال بين الأبطال الأميركيين البيض، وعصبة من “الهنود الحمر” غير محددة الملامح هم الليبيون.

فالكاميرا لا تقترب أبدا من وجوه الليبيين، بل تركز على المجموع وتصوره كقطيع يسهل بالتالي قبول تصفيته بشكل جماعي كما سيحدث في الفيلم فيما بعد، وعندما تقترب الكاميرا من الوجوه في لقطات قريبة نادرة يشعر المشاهد بأنه يشاهد صورا مجسدة للشر.

دراما تسجيلية

من العيوب الأساسية في الفيلم أنه لا يتضمن بطلا فرديا تدور من حوله الدراما المثيرة، كما كان الأمر في “قناص أميركي” لكلينت إيستوود، ولا توجد هنا “حبكة” مقنعة أو تصاعد للأحداث يصل إلى ذروة درامية معينة، يمكن أن يشد المتفرج حتى النهاية، بل مجرد عرض أفقي، أقرب إلى “الدراما التسجيلية”. وفي السياق ذاته توجد ست شخصيات لضباط من المارينز يعملون في تأمين قاعدة سرية للمخابرات الأميركية تقع خارج مدينة بنغازي.

المشاهد الأولى من الفيلم التي تستغرق ما يقرب من عشر دقائق، هي أفضل مشاهد الفيلم وأكثرها إثارة ودقة سواء في تضاريس المكان أو إدارة التصوير في المواقع الطبيعية (جرى تصوير الفيلم في المغرب ومالطة).

وفي البداية يصل أحد هؤلاء الرجال الستة (الأسماء هنا لا قيمة لها لأنها أسماء رمزية مثل جاك وبن ورون وبون..) إلى مطار بنغازي، يستقبلهم أحد زملائهم بسيارة من سيارات الدفع الرباعي، يكون صاحبنا قد ودع أسرته الصغيرة في كاليفورنيا، ورأيناه في المشهد الافتتاحي، على متن الطائرة، ينزع خاتم الزواج من إصبعه، وكأنه يريد أن يمحي وضعه الاجتماعي وهو مقدم على مهمة جديدة ربما لا يعود منها حيا.

في الطريق إلى القاعدة السرية، تمر السيارة داخل المدينة وتتعرض لمأزق يكاد يودي بحياة الاثنين عندما يعترضها مسلحون ينتمون لإحدى الجماعات الإسلامية المتشددة (جماعة أنصار الشريعة)، هنا ينجح المخرج في تقطيع لقطاته لخلق التأثير بالتوتر والإثارة، لينتهي المشهد بنجاح الأميركيين في الإفلات من موت محقق باستخدام الخديعة.

يأتي بعد ذلك الهجوم الذي تشنه جماعة أنصار الشريعة على مقر البعثة الدبلوماسية الأميركية التي لا تبعد كثيرا عن المحطة السرية للمخابرات الأميركية، حيث يشعلون النيران في استراحة السفير.

لا يحرس المقر وهو مجموعة من المباني، سوى عدد محدود من الأفراد، ويبدو السفير الأميركي مطمئنا، رغم أن كل البعثات الدبلوماسية الأجنبية في ليبيا، كما يخبرنا الفيلم، قد غادرت باستثناء البعثة الأميركية، ومع ذلك لا يتوقف الفيلم طويلا أمام غياب التأمين اللازم للمكان ومسؤولية الحكومة الأميركية عن ذلك الإهمال، لكنه سيتوقف بعد ذلك أمام استحالة وصول المساعدة الضرورية العاجلة لإنقاذ السفير ورجاله بسبب وجود القوة الأميركية المسلحة التي يمكنها التدخل في قاعدة في طرابلس، أي على بعد 650 كيلومترا من بنغازي، وتوجد أقرب قاعدة جوية أميركية في جزيرة صقلية الإيطالية.

يستنجد أمن السفارة إذن بالقاعدة الاستخباراتية بإمكانياتها المحدودة، غير أن رئيس القاعدة يرفض التخلي عن رجاله الستة من المارينز، بدعوى أن هذه ليست مهمتهم، ويطلب بقاءهم لحماية القاعدة من هجوم محتمل، لكنهم يخالفون تعليماته، غير أنهم يواجهون متاعب في الطريق تؤخر وصولهم ليصلوا بعد أن يكون السفير قد لقي حتفه اختناقا ومعه ثلاثة أفراد.

كاتب السيناريو يبتعد كثيرا عن السياسة ويجرد الموضوع ليجعله صراعا بين الخيرين والأشرار في بيئة مليئة بالغرابة والأسرار

هذه هي الهزيمة (أو الفشل)، يمر عليها الفيلم دون أن يتوقف أمام مسؤولية وزارة الخارجية (في عهد هيلاري كلينتون) عن عدم إخلاء السفارة والإصرار على بقائها دون حماية كافية، رغم معرفتها بخطورة الموقف.

لا يقترب الفيلم أيضا من الحالة الليبية على الأرض بعد انهيار نظام القذافي، لكنه يصور فقط في بدايته كيف أدى تدخل طيران الناتو إلى القبض على القذافي وقتله كما نشاهد في اللقطات التسجيلية الشهيرة، وهناك إشارات كثيرة إلى جماعة ليبية مسلحة يطلق عليها “جماعة 17 فبراير” يفترض أن تكون موالية للأميركيين، لكن الأميركيين لا يثقون بأحد، ورغم ذلك نرى في البداية كيف يهبط ثلاثة أميركيين من رجال المخابرات مع المرأة الوحيدة التي تعمل معهم في القاعدة إلى وسط المدينة لتناول الشاي في أحد المقاهي المفتوحة في وسط بنغازي في مشهد مستحيل الحدوث في الواقع بالطبع!

في النصف الثاني من الفيلم يصبح التركيز الأساسي على حصار الإرهابيين لمقر المخابرات الأميركية، ثم المعركة التي تنشب بين الرجال الستة، وجحافل من “أنصار الشريعة” يستخدمون الأسلحة الثقيلة، حيث نرى قذائف الهاون وهي تسقط في لقطات بالحركة البطيئة، قبل أن ترتطم بالهدف.

وفي نهاية المعركة التي تستغرق زمنا طويلا على الشاشة (الفيلم نفسه يتجاوز الساعتين وربع الساعة) يفقد ضابطان من الأميركيين حياتهما، ويحاول المخرج مايكل باي الربط بين هذه المشاهد العنيفة، وبين الحياة الشخصية للبعض من الرجال المحاصرين، فيصور علاقتهم بزوجاتهم وأبنائهم من خلال الاتصال بهم عبر السكايب، في محاولة لإضفاء الطابع الإنساني على تلك الشخصيات، وكيف يواجه الرجال اللحظات التي تسبق الاشتباك النهائي الذي قد يفضي إلى الموت، ولكن هذه أكثر المشاهد افتعالا وتقليدية، بل وأكثرها اصطباغا بالميلودراما.

ديفيد وغوليات

نحن إذن أمام أقلية ضئيلة (ستة أشخاص) يمثلون “ديفيد”- المتحضر، الأكثر قدرة على استخدام الأسلحة الحديثة والقنص بواسطة بنادق آلية مزودة بتقنية الرؤية الليلية، أمام “غوليات” أي كثرة من الليبيين المسلحين بالأسلحة الثقيلة، إلاّ أنهم يعجزون عن اقتحام القاعدة ويسقطون كالذباب، وخلال الاشتباكات يفقد ضابطان أميركيان حياتهما قبل أن يصل العون إلى الأميركيين فانضم إليهما زميلان، ويتولى أفراد من تنظيم 17 فبراير تأمين خروجهما من القاعدة بعد إخلائها، ثم مغادرة مطار بنغازي بعد أن يكونوا قد حققوا النصر على الشاشة.

رغم الكثير من المشاهد المنفذة بشكل جيد فإن الفيلم يعاني من الاستطرادات، وهبوط الإيقاع، خاصة في ثلثه الأخير عندما يبدأ المخرج في “أنسنة” شخصيات المقاتلين، ويجعل الأميركي الذي بدأ به الفيلم يحادث زوجته؛ يخبرها بأنه سيعود قريبا إلى الوطن وأنه سيبقى هناك، في إشارة إلى أنه لن يعود مجددا إلى مناطق الخطر، وأنه تعلم من التجربة القاسية ولن يسمح بتكرارها.

وفي ختام الفيلم نقرأ على الشاشة معلومات تشير إلى عودة الضباط الأربعة إلى بلدهم، ثم استقالتهم من العمل لحساب المخابرات، بعد أن رأينا كيف بدأوا يطرحون تساؤلات وجودية حول “ماذا نفعل هنا؟ ومن أجل أي شيء نخوض هذه المعركة؟ وهل يستحق الأمر؟ وما شأننا نحن بليبيا وما يحدث فيها؟”، وهي تساؤلات المقصود منها أن تترك تأثيرها على جمهور السينما من الطبقة الوسطى الأميركية، لكن دون أن تثني “المؤسسة” بالطبع عن التورط في المزيد من المغامرات الخارجية!

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر