الاثنين 16 يناير/كانون الثاني 2017، العدد: 10514

الاثنين 16 يناير/كانون الثاني 2017، العدد: 10514

نجوم السينما من التمثيل إلى الإخراج

الارتفاع الكبير في أجور المخرجين في هوليوود أدى إلى تفضيل الممثل-المخرج، الذي قد يكتفي بالحصول على أجر رمزي عن الإخراج، بالإضافة إلى أجره كممثل.

العرب أمير العمري [نُشر في 2016/07/24، العدد: 10344، ص(16)]

جودي فوستر.. تعود إلى الإخراج دون أن تتخلى عن التمثيل

للمرة الثانية تأتي الممثلة والمخرجة الأميركية جودي فوستر لعرض فيلمها الرابع- كمخرجة- في مهرجان “كان” (أخرجت أيضا ثلاثة أفلام للتلفزيون). الفيلم الجديد “وحش المال” (2016) من الإنتاج الهوليوودي الكبير، ويتمتع بوجود اسمين مشهورين في البطولة: جورج كلوني وجوليا روبرتس، ويتناول العلاقة بين الإعلام و”وول ستريت” حي المال الشهير في نيويورك، وكيف يلعب مقدم برنامج تلفزيوني متخصص في شؤون البورصة، دورا مباشرا في وقوع خسارة مالية ضخمة لرجل، مما يدفعه إلى اقتحام الأستوديو التلفزيوني على الهواء مباشرة، ويحتجز المذيع (كلوني) كرهينة، وما يعقب ذلك من تداعيات تتخذ طابعا كوميديا ممزوجا بالإثارة.

لم يحقق الفيلم نجاحا يذكر بعد أن بدأ عروضه التجارية مؤخرا، كما سبق أن فشل الفيلم السابق لفوستر (كمخرجة) “القارض” (The Beaver) قام ببطولته ميل غيبسون. ورغم ذلك، تستعد جودي فوستر لإخراج فيلم روائي جديد (لحساب شركة سوني).

كانت جودي فوستر قد بدأت الإخراج للسينما عام 1991، بفيلم “الرجل الصغير تات”. ويدور موضوعه حول طفل يدعى “تات” في السابعة من عمره، يشع بالموهبة والذكاء، يعيش مع أمه المطلقة التي تحاول العثور على عمل. تسمع “جين” (جودي فوستر) بموهبة الطفل، وهي المتخصصة في موضوع الأطفال ذوي القدرات الذهنية المرتفعة، فتسعى لإجراء اختبار له، ثم تطلب من أمه أن تسمح له بالمشاركة في مسابقة ذهنية، ومنذ تلك اللحظة تتولاه بالرعاية إلى أن يحقق النجاح والشهرة ويصبح نجما من نجوم برامج التليفزيون.

ستالون أقلع عن الإخراج بعد أن أخرج فيلم "المتمددون" (2000) الذي قام ببطولته مع أرنولد شوارزينغر ولم يحقق النجاح المرجو وبلغت تكاليفه 80 مليون دولار

كان موضوع الفيلم مناسبا لجودي فوستر التي لمعت منذ طفولتها كممثلة متألقة، فقد بدأت التمثيل وهي في السابعة من عمرها، كما نشأت كابنة وحيدة تعيش مع أمها دون أب. ويكشف اختيارها لهذا الموضوع رغبتها في الابتعاد عن الأفلام المثيرة مقتربة من الموضوعات الاجتماعية التي تهم الأسرة، إلا أن ما حققه الفيلم من نجاح كان محدودا. ولكن هذا لم يحل بينها وبين العودة للإخراج من وقت إلى آخر، لكنها لم تظهر كممثلة في فيلمها الجديد.

ظاهرة تحول نجوم السينما من التمثيل إلى الإخراج، ليست ظاهرة جديدة تماما، فهي موجودة في هوليوود منذ زمن بعيد، وقد بدأها شارلي شابلن محققا نجاحا كبيرا كمخرج وممثل، واقتفى أثره فيما بعد وودي ألين الذي أصبح بعد أن تقدم به العمر، يكتفي بالإخراج فقط دون التمثيل.

من بداية السينما

في نفس عصر السينما الصامتة أيضا، أقدمت الممثلة ليليان غيش -شأنها شأن شابلن- على تجربة الإخراج عام 1922 مع فيلم “إعادة تكوين زوجها” إلا أنها لم تعاود المحاولة، ثم تبعتها ممثلات شهيرات مثل ماري بيكفورد وإدا لوبينو وألين ماي. وكان الممثّلون والممثّلات يؤسسون عادة شركة إنتاج لتسهيل الأمر على أنفسهم، كما فعل شارلي شابلن وماري بيكفورد ودوغلاس فيربانكس الذين أسسوا شركة “يونيتد آرتستس” في عشرينات القرن العشرين.

وهو نفس ما فعله فيما بعد جون واين وبيرت لانكستر ومارلون براندو وروبرت ريدفورد، والأخير أخرج منذ عام 1980 تسعة أفلام قام ببطولة بعضها. وهناك أيضا الممثل والمخرج الراحل جون كازافيتس مخرج فيلم “ظلال”، وإن كان يظل أشهرهم جميعا بالطبع، الممثل الإنكليزي لوتون بطل فيلم “أحدب نوتردام” الذي أسس شركة خاصة في لندن عام 1955 أخرج لها فيلم “ليلة العيد”، لكنه كان الفيلم الأول والأخير من إنتاج الشركة، وآخر ما أخرجه لوتون!
نجاح فيلم "رامبو" جعل ستالون مخرجا كبيرا مرغوبا

وأخرجت نجمة الاستعراض بربارا ستريساند ثلاثة أفلام كان أولها “يانتل” (1983) ثم “أمير الأمواج” (1991) ثم توقفت عن الإخراج لتعلن مؤخرا أنها بصدد إخراج فيلم جديد بعنوان “كاثرين العظيمة”. أما الممثل كيفن كوستنر فيعتبر فيلمه “الرقص مع الذئاب” (1990) الذي قام ببطولته أيضا، من أكثر أفلام المخرجين الممثلين نجاحا، وقد حصل أيضا على سبع من جوائز الأوسكار. لكن كوستنر أقلع بعد ذلك عن الإخراج.

ومن أشهر الممثلين الذين اقتحموا عالم الإخراج النجم كلينت إيستوود الذي أخرج حتى الآن 38 فيلما، وكان لفترة طويلة، يحاكي أسلوب المخرج الراحل دون سيجل الذي أخرج له أكثر أفلامه شهرة حتى الآن لدى جمهور السينما في العالم وهو فيلم “هاري القذر”، قبل أن يعثر على أسلوبه الخاص.

وحقق إيستوود نجاحا كبيرا مع فيلم “غير المتسامح” (1992) الذي قام ببطولته، ثم ابتعد عن الويسترن وحقق ربما أكبر نجاح له بفيلم “امرأة بمليون دولار” (2004) الذي حصل على 4 جوائز أوسكار منها جائزة أحسن فيلم.

ومن أحدث أفلام الممثلين المخرجين، فيلم “النهر المفقود” (2014) الذي أخرجه الممثل ريان كوسلنغ الذي لمع نجمه كثيرا بعد فيلم “درايف” (2011)، لكنه لم يحقق نجاحا يذكر، بينما مازال جيمس فرانكو يواصل الجمع بين التمثيل والإخراج.

دوافع الممثلين

ما الذي يدفع مشاهير الممثلين للانتقال من الوقوف أمام الكاميرا والتمتع بالشهرة الكبيرة التي يتيحها الظهور المتكرر على أغلفة المجلات الفنية وفي البرامج التلفزيونية والإعلانات التي تملأ الأنظار في كل مكان، إلى الجلوس وراء الكاميرا على كرسيّ المخرج بعيدا عن الأضواء وعدسات المصورين واهتمام الجمهور.

كيفن كوستنر الذي كللت تجربته في الإخراج بالنجاحصرحذات مرة بقوله إنه لم يفكر أبدا في الاكتفاء بالإخراج والتخلي عن دور البطولة لممثل آخر في فيلم "الرقص مع الذئاب"

النجم الشهير روبرت دي نيرو كان قد جرب الإخراج منذ سنوات عندما أقدم على إخراج فيلمه الأول “قصة برونكس” (1991) الذي يروي قصة مستمدة من ذكريات طفولته، وقام فيه بدور الأب، ثم عاد ليخرج “الراعي الطيب” (2006) بطولة أنجلينا جولي ومات ديمون، وقام فيه بدور غير رئيسي. ومع فشل الفيلمين أقلع دي نيرو عن الإخراج واكتفى بالتمثيل.

ربما يكون السبب تجاريا بحتا، فشركات هوليوود ترى أن وجود اسم ممثل شهير -كمخرج- وراء مشروع الفيلم يتيح للفيلم العثور على التمويل المطلوب، فهناك كما يرون “قيمة تسويقية” للنجم السينمائي، كما أن من الممكن أن يجذب -بسبب شهرته وعلاقاته مع وكلاء الممثلين- أسماء أخرى شهيرة من ممثلي الصف الأول للمشاركة في الفيلم. وبالتالي يصبح المشروع أقل مخاطرة حسب شركات هوليوود.

من جهة أخرى، أدى الارتفاع الكبير في أجور المخرجين اللامعين في هوليوود، وكثير منهم يشترط أيضا الحصول على نسبة من أرباح الفيلم، إلى تفضيل الممثل-المخرج، الذي قد يكتفي بالحصول على أجر رمزي عن الإخراج، بالإضافة إلى أجره كممثل. كما أنه يوفر باسمه الكثير من المال الذي ينفق على الدعاية.

غير أن مشكلة الممثل الذي يتحول إلى الإخراج أنه يتمسك عادة بالتمثيل في الفيلم الذي يقوم بإخراجه، ويصبح عليه مراعاة عشرات الأشياء، وحلّ الكثير من المشاكل التي تنشأ أثناء التصوير، بينما يتعين عليه في نفس الوقت، أن يستعد ذهنيا ونفسيا لتقمص الدور الذي يؤديه. ولا يستطيع بعض الممثلين التوفيق بين العملين، يخرج كثير منهم، من التجربة الأولى، بشعور بالتعاسة والإحباط مما يدفعه لعدم تكرار التجربة.

العبرة بالنتائج

جورج كلوني بطل فيلم "وحش المال" للمخرجة والممثلة جودي فوستر

وقد صرح كيفن كوستنر الذي كللت تجربته في الإخراج بالنجاح ذات مرة بقوله إنه لم يفكر أبدا في الاكتفاء بالإخراج والتخلي عن دور البطولة لممثل آخر في فيلم “الرقص مع الذئاب” بل على العكس تماما فقد فكر في التخلي عن إخراج الفيلم إذا اقتضى الأمر.

في هوليوود ليست هناك قيمة كبيرة للجهد أو للنوايا الحسنة وراء الإخراج، بل العبرة دائما بالنتائج، أي بما يحققه الفيلم في “شباك التذاكر”. هذا على سبيل المثال ما جعل من ممثل عادي ومخرج أقل من عادي هو سيلفستر ستالون، نجما كبيرا ومخرجا أسندت اليه هوليوود إخراج سلسلة من الأُفلام باهظة التكاليف هي “رامبو وروكي”. وكان ستالون أول ممثل يحقق هذا النوع من النجاح عند تحوله إلى الإخراج دون التخلي بالطبع عن التمثيل.

وقد حقق ستالون نجاحا لدى شركات هوليوود، فشل في تحقيقه أحد أشهر الممثلين الذين اتجهوا للإخراج وعلى رأسهم أوروسون ويلز، ذلك العبقري الذي أخرج وهو في الرابعة والعشرين، تحفته السينمائية “المواطن كين”، لكنه لم ينل جائزة واحدة من جوائز الأوسكار، كما اضطر ويلز لمغادرة أميركا والعمل في أوروبا إلى حين وفاته عام 1980.

ستالون أقلع عن الإخراج بعد أن أخرج فيلم “المتمددون” (2000) الذي قام ببطولته مع أرنولد شوارزينغر ولم يحقق النجاح المرجو وبلغت تكاليفه 80 مليون دولار. وعلى الرغم مما تحفل به مهنة الإخراج من متاعب، مازال الكثيرون يتصورون أن المخرج لا يفعل شيئا سوى أن يجلس على مقعد الإخراج، يلقي بالأوامر والتعليمات بنبرة متعالية إلى الممثلين والمصور، وأنه يملك القدرة على طرد من لا يعجبه من العاملين بالفيلم. ويوما بعد يوم، مع تزايد عدد الممثلين الذين يجلسون على مقعد المخرج السينمائي، سيزول الوهم.

ناقد سينمائي من مصر

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر