الثلاثاء 23 مايو/ايار 2017، العدد: 10641

الثلاثاء 23 مايو/ايار 2017، العدد: 10641

الانفراج السعودي الأميركي في مصلحة الموصل

الانتهاكات التي حدثت في الفلوجة كانت في مرحلة مختلفة، الموصل يأتي تحريرها في مرحلة تبدو السعودية فيها أقوى وأكثر ثقة.

العرب أسعد البصري [نُشر في 2016/07/24، العدد: 10344، ص(3)]

انفراج أميركي سعودي كبير ومتسارع بعد فشل الانقلاب التركي، وكذلك انفراج في العلاقات الخليجية فالشيخ محمد بن زايد في الدوحة وقد استقبله أمير قطر تميم بن حمد آل ثاني في المطار ضمن مهمة تتعلق بملفات ساخنة ومناقشة للتحديات.

الأمير محمد بن سلمان في واشنطن وقد التقى بثلاثة وزراء دفاع الأميركي والفرنسي والبريطاني، ووزير الخارجية السعودي عادل الجبير يصرّح لصالح الاستقرار في تركيا بعد الانقلاب.

وبالرغم من أن رئيس الوزراء الفرنسي مانويل فالس قد دعا إلى حظر السلفية كثقافة بكافة أشكالها على أراضي فرنسا بعد الهجمات الإرهابية المتكررة، إلا أننا رأينا بالمقابل جولة استثنائية إلى بريطانيا قام بها الرئيس العام لشؤون الحرم والمسجد النبوي الشيخ عبدالرحمن السديس زار فيها مساجد ومؤسسات وافتتح مسجدا جديدا، بمعنى أن هناك انفراجا كبيرا وتفهما من الجانب الأميركي البريطاني مع السعودية.

ليس من مصلحة الولايات المتحدة إضعاف السعودية، وقد مرت العلاقات التاريخية بينهما في الفترة الماضية بمنعطف في غاية الصعوبة، هجمات منظمة في الإعلام الغربي، وتصريحات مسؤولين كبار في الكونغرس الأميركي، ومشاريع معادية على صعيد القضاء والتشهير ولكن المملكة جابهت كل ذلك بمرونة أثارت التقدير حقا.

لا يمكن استفزاز حكومة عمرها مئة عام وتدير استثمارات تُقدر بتريليونات الدولارات. حجم العقل السياسي السعودي ضخم وعنده مناعة ضد ردّات الفعل والعواطف المباشرة، فقد مرّت عواصف كبيرة على هذه الحكومة في منطقة شديدة الغليان ولم تهتز الدولة السعودية، ويبدو أنها لن تهتز في العاصفة الحالية.

المطمئن حقا هو عودة التوازن إلى المنطقة بعد فشل الانقلاب التركي، فقد عادت المحاكم الدولية تطالب بمحاكمة مستشار المرشد السياسي المخضرم الدكتور علي أكبر ولايتي لتورطه بعمليات إرهابية في الأرجنتين عام 1994، كما عادت المحاكم المحلية العربية تنشط في تنظيف البحرين والكويت من الخلايا النائمة التابعة لإيران، كخلية العبدلي في الكويت التابعة لحزب الله، وجماعات أخرى إرهابية في البحرين.

والأهم من ذلك كله رفض الولايات المتحدة رفع العقوبات عن البنك المركزي الإيراني وعدم السماح للعالم بالتعامل المباشر معهم حتى تتراجع إيران عن سياساتها العدائية ودعم الإرهاب.

ويعمل الكونغرس على فرض المزيد من العقوبات على إيران كما صرح رئيس لجنة العلاقات الخارجية في الكونغرس أيد رويس صاحب التصريح المدوي “إيران لا تمتلك الحق باستخدام الدولار. زعيم إيران الروحي خامنئي يهتف الموت لأميركا ويريد استخدام عملتنا، لن نسمح لهؤلاء بوضع الدولار في جيوبهم”.

القشة التي قصمت ظهر البعير وأفقدت الإيرانيين صوابهم هي كلمة الأمير تركي الفيصل أمام المعارضة الإيرانية في باريس، فقد وعد بدعمهم وقال إنه أيضا يريد إسقاط النظام الإيراني. وهذا الأمر أثار غضب الحرس الثوري الإيراني فقد وصف قائد الحرس الجنرال محمد علي جعفري السعودية بـ”العدو الأول” وفي كلمة توجه بها أعلى قائد عسكري إيراني إلى القوة البحرية اتهم السعودية بالمسؤولية عن نشاط المعارضة وعدم الاستقرار في إيران.

والحقيقة أننا سمعنا في الأيام الماضية ولأول مرة عن مواجهات مع الحرس الثوري في المناطق الكردية والعربية وفي بلوشستان السنية أيضا.

الوحشية التي تعامل بها الحشد الشيعي مع الفلوجة وأهلها من حرق بيوت ومساجد ومقابر جماعية وتعذيب وإعدامات وشعارات طائفية صريحة تهدد السعودية، كانت كلها تفضح قلق إيران وعدم ارتياحها للنشاط السياسي السعودي.

المملكة باردة الأعصاب، وتعلم أن إيران تريد استثمار داعش لإلحاق أضرار بالحكم السعودي، تطمح طهران إلى تفجير السعودية من الداخل أو فرض عقوبات دولية عليها وحصارها سياسيا من الخارج، وهذا ما اشتغلت عليه الخارجية السعودية ليل نهار حتى أقنعت العالم بخطر هذا التوجه وعدم جدواه.

إيران اشتغلت لسنوات على تفكيك العراق بمعول الطائفية. فمثل كل الإمبراطوريات القديمة إيران حطمت الصناعة والزراعة والتعليم والبنية التحتية في الهامش العراقي، حتى لا يبقى في العراق سوى “حشد شعبي” وطوق بشري لحماية إيران من العرب بحجة حماية الأضرحة والمذهب.

وبعد انهيار العراق اقتصاديا وتفكيكه سيكون من السهل ابتلاعه في استفتاء شيعي، فلن يكون لدى الشيعة من فرصة للبقاء سوى أن تبتلعهم إيران، لأنها ورطتهم بجرائم ضد العرب والسنة مما تسبب بكراهية العالم لهم، وفي نفس الوقت أفقرتهم ونهبت ثرواتهم.

إن الفقير المعدم والمكروه المطلوب ثارات ودماء سيستسلم للأمر الواقع والانضمام لإيران لطلب الخبز والحماية. كل ما سيبقى من العراق هو هؤلاء المتطوعون البرابرة الذين يجرّون عربة الإمبراطور الفارسي وحقده بدلا من البغال.

المهم الآن ومع تعافي العلاقات السعودية الأميركية سيكون صعبا على الحشد الشيعي والميليشيات الإجرامية اقتحام الموصل وحرق بيوتها وذبح أهلها، سيكون صعبا عليهم هدم المنارة الحدباء التي بناها نورالدين زنكي وصلّى تحتها صلاح الدين الأيوبي، سيكون صعبا على الجنرال قاسم سليماني أن يخطب في الجامع النوري الكبير خطاب النصر على السنة.

حدود الحشد الشيعي كما يبدو هي مدينة الشرقاط، فهناك أنباء بأن الطائرات الأميركية تقصف الميليشيات كلما اتجهت شمالا نحو نينوى. بوجود القوات الكردية والجيش العراقي لا توجد حاجة إلى الحشد. فالحشد لم يقاتل في الفلوجة كانت مهمته إدارة المقابر الجماعية واقتحام المدينة بعد النصر لغرض التخريب والنهب والاستفزاز المذهبي.

المشكلة الوحيدة بعد القضاء على الإرهاب هي صعود أردوغان. فالأرض تتشقق في العراق بعد زوال العراق العربي الذي طالما نادى به السنة، سيذوب السنة في الأتراك كما ذاب الشيعة في الفرس ويختفي العراق العربي إذا لم تتدخل السعودية في عمليات تحرير الموصل.

يطمح العراقيون المحاصرون في الموصل بمستشفيات سعودية متنقلة ومساعدات إنسانية ومشاريع، لا نريد أن ينتشر انطباع بأن الأنبار قد تم هدمها لضعف العرب، بينما الموصل لن يجرؤ الفرس على هدمها لوقوعها في المدار الحيوي التركي، فهي مدينة ذات جذور عثمانية قوية.

وحتى لا يكون كلامي مجانبا للصواب ورغم اعتراضي الشديد على سياسة تركيا الخبيثة، إلا أنه من الواضح أن هدم نينوى وارتكاب مجازر صفوية فيها غير ممكن بوجود أردوغان.

الانكشاريون لن يسمحوا بدخول القزلباش إلى الموصل. وبتظافر الجهد العربي المتصاعد مع عرب الموصل يمكن لنا الآن تحرير الموصل من الدواعش، دون تكرار لتجربة الفلوجة التي أدمت قلوبنا وفتّتت أكبادنا.

الخلاصة هي أننا نشهد تعافيا للسياسة السعودية عالميا بعد فشل الانقلاب التركي، وهذا الصعود السعودي يرافقه كما يبدو تداع للقبضة الإيرانية المتورطة في الكثير من الدماء. فرصة لتحرير الموصل دون دفع المدينة وأهلها الأبرياء ثمن ذلك التحرير. المهم أن تبقى المدينة تحت الحماية الدولية بعد التحرير ولا يتم تسليمها لإيران.

بعبارة أخرى الانتهاكات التي حدثت في الفلوجة كانت في مرحلة مختلفة، الموصل يأتي تحريرها في مرحلة تبدو السعودية فيها أقوى وأكثر ثقة، وبصراحة كذلك تركيا بعد الانقلاب.

كاتب عراقي

أسعد البصري

:: مقالات أخرى لـ أسعد البصري

أسعد البصري

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر