الجمعة 23 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10672

الجمعة 23 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10672

شعراء افتراضيون

تراجعت ثقافة الشاعر شعريا، فلم يعد مهتما بقراءة تجارب من سبقوه... واكتفى بقراءة بعض النصوص المترجمة وعدد من نصوص مجايليه من الشعراء.

العرب مفيد نجم [نُشر في 2016/07/26، العدد: 10346، ص(15)]

قديما كان الشاعر العربي عندما يأتي إليه شاعر مبتدئ ليسأله كيف يمكن أن يصبح شاعرا يجيبه بأن عليه أن يحفظ الآلاف من أبيات الشعر ثم ينساها. هذه القاعدة لم يعد هناك من يحتاج إليها من شعراء اليوم على كثرتهم، خاصة مع الدور المتنامي الذي باتت تلعبه وسائط التواصل الاجتماعي. لقد ألغت هذه الوسائط دور الناقد أو قارئ الشعر الملم بأسرار كتابته، عندما استبدلته بعدد الإعجابات التي يحصل عليها من الأصدقاء وأصدقاء الأصدقاء بعد أن تكاثرت المواقع والصفحات التي تجمعهم.

مع هذا التحول الخطير تراجعت ثقافة الشاعر شعريا، فلم يعد مهتما بقراءة تجارب من سبقوه، أو التعرّف على تاريخ الحركة الشعرية والخصائص الجمالية التي تميزت بها في كل مرحلة، واكتفى بقراءة بعض النصوص المترجمة وعدد من نصوص مجايليه من الشعراء، ولذلك صار من الصعب التمييز بين قصيدة شاعر وآخر، وأصبح بإمكان أي قارئ أن يستبدل اسم الشاعر في أي قصيدة باسم آخر دون أن يغير ذلك من الأمر شيئا.

هذه الحالة من التهجين والاستنساخ أصبحت علامة فارقة في هذا المشهد المتداعي جماليا وفكريا، خاصة مع انتشار ظاهرة قصيدة الومضة على الرغم من صعوبة كتابة هذه القصيدة نظرا لحاجتها إلى قدرة كبيرة على التكثيف اللغوي الشديد والإلماح والمفارقة الذكية، وهو ما لا يستطيع هؤلاء الشعراء استيفاء شروطه، لذلك تأتي نصوصهم أقرب إلى المباشرة ومفتقرة إلى اللعب الذكي باللغة.

ومما عمق هذه الأزمة ضعف الخبرة اللغوية عند هؤلاء الشعراء، الذين لم يعد مهمّا لديهم إن جاء الفاعل منصوبا، أو المنصوب مرفوعا، أو إذا استخدم صيغة المفرد والمثنى في الجملة الواحدة، وغير ذلك من الأخطاء الفادحة التي تجدها في كتاباتهم على صفحات الفيسبوك والمواقع التي أنشأوها لإتحاف قرائهم بآخر إبداعاتهم.

لقد ساهمت هذه المواقع الإلكترونية في تكريس هذه الظاهرة وتعميمها، حتى صار من الممكن الحديث عن شعراء الفيسبوك. كذلك ساهم تطور آخر في تعزيزها وتوسيعها تمثل في ظاهرة النشر الإلكتروني التي قضت على ما تبقى من محاولة بعض دور النشر الحفاظ على القيمة الجمالية والفكرية لما ينشر من أعمال شعرية.

خطورة هذا التحول أنه جعل الشعر يتحوّل إلى سلعة، يجري تداولها بخفة بين قراء يفتقدون في الغالب إلى ثقافة أدبية وشعرية حقيقية، ما أثر سلبيا على جماليات التلقي وثقافة القارئ وتذوق الشعر بمعناه الأعمق دلالة وبنية وتخييلا. فهل تحوّل الشعر أيضا إلى سلعة تنتهي صلاحيتها بانتهاء قراءتها، في عالم جرى تسليع كل شيء فيه؟

كاتب من سوريا

مفيد نجم

:: مقالات أخرى لـ مفيد نجم

مفيد نجم

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر