الثلاثاء 28 مارس/اذار 2017، العدد: 10585

الثلاثاء 28 مارس/اذار 2017، العدد: 10585

خارطة بغداد الطائفية رسمت عام 1979

بعد أشهر قليلة من الاحتلال، اطلعت على خارطة موزعة على أرتالهم الأميركية المتجولة، فيها الحدود الإدارية للمناطق السكنية، ملونة بلونين 'معزولين' عندما استفسرت، قيل لي 'إنها خارطة بغداد الطائفية'.

العرب حامد الكيلاني [نُشر في 2016/07/27، العدد: 10347، ص(8)]

العراقيون من حقهم أن يرتابوا من تبعات الإصرار على حفر الخنادق وبناء الحواجز والأسوار على امتداد أرضهم؛ لأنها تنبئ بواقع قادم لا صلة له بالتبريرات الأمنية، رغم ما فيها من مصداقية تفرضها مخاوف الصراعات المسلحة وهجمات الإرهاب.

كل منصف يدرك أن احتلال العراق عام 2003، مرّ بسلسلة من التداعيات أبرزها كان وصول الملالي إلى سدة الحكم في إيران عام 1979؛ سبقت ذلك على الصعيد الداخلي ثورة تأميم النفط والتنمية الانفجارية، وهي من ضمن مؤشرات تجاوز الخطوط الحمراء للسياسة الدولية، وبداية “تنمُّر” على المعتاد في الشرق الأوسط من أنماط إدارة الاقتصاد والخبرات وتوزيع مهمات السوق العالمية.

التعامل حينها مع ردات الفعل كان ممكنا، ببرامج التسويق المفتوح للنفط ودون التلويح بالقصد السياسي إلا في حالة استخدام النفط كسلاح، كما حصل في حرب أكتوبر 1973.

الأهداف العميقة تستغرق فترة وصول أو حمل طويلة وتصادفها معرقلات صعوبات تتلاءم مع حجم ما سيحدثه الإعلان عن تحقيق الهدف من هزات عنيفة وصادمة.

يقترب الوصف من حالة السريّة في البحوث العلمية الرائدة، وهي طفرات تخلق إرباكا كبيرا في حالة تطبيقها المباشر بعد تجريب نجاحها، لهذا يلجأ المختصون إلى التشاور مع العقول الاستراتيجية، في حين تسعى محركات النظام السياسية إلى جدولة زمنية لاستيعاب المتغيرات أو الخسائر المفاجئة التي تطال أحيانا مصائر وحياة وأرزاق كتل بشرية كبيرة، تتعدى إلى مساحات واسعة خارج الخرائط المحلية، فبعض الاختراعات أو النتائج المبهرة تتجاوز حواجز إرباك السياسات الاقتصادية إلى تهديم القناعات الراسخة في القِدَم كما في بدايات اكتشاف كروية الأرض وبعدها الثورة الصناعية، ثم الثورة الإلكترونية وما تلاها من موجات متسارعة في الطب والعلوم والتكنولوجيا والاتصالات المذهلة.

عند التطلع إلى خط سير الأحداث منذ البداية، سننتقل إلى مثابات ستوصلها حتما إلى ما آلت إليه الأمور وما سينتج عنها لاحقا، وفي حالة العراق يبدو التشكيك في نيات الحكومة وحزبها الحاكم والساسة، ليس رجما في الغيب، لأن الشواهد لا تحصى.

من خانوا العراق أثناء الحرب واصطفوا إلى جانب نظام عدوه، ماذا يمكن أن نطلق عليهم اليوم وكيف نثق بهم؟ وهم من حملوا السلاح وقاتلوا ضد جيش بلادهم، وشكلوا الميليشيات وعذبوا الأسرى ومارسوا بحقهم كل أصناف الموت والتعذيب، للانضمام إلى أفواج التوبة عن حب وطنهم الأم.

أول من استخدم العبوات الناسفة والسيارات المفخخة والاغتيالات والانتحاريين ضد المدنيين والمؤسسات في بغداد ومدن العراق؛ كانوا هم من يحكم العراق اليوم واستجلبهم الاحتلال الأميركي كمعارضة وهيأ لهم مستلزمات الشرعية، بغطاء النظام الديمقراطي وصندوق الانتخاب.

احتلال العراق بدأ منذ اللحظة التي صَدّر فيها الخميني ثورة ولايته، ويكفي أن نغوص في مفردة الولاية، حتى نواجه أهداف المشروع الإيراني لتسقيط أي نظام سياسي عربي لا يقوم على طاعة الولي الفقيه.

عندما نؤكد أن احتلال العراق والأزمات المتلاحقة تفجّرت عام 1979، فنحن لا نتجنّى، لأننا تجاوزنا طريقا طويلا من تضحيات شعبنا في حرب طائفية بغيضة من جانب النظام الإيراني، وحرب وجود ومواطنة ودفاعا عن مصير العراق والأمة العربية من جانب شعب العراق بكل أديانه وطوائفه.

لم يكن للعراقيين سوى خندق واحد، تمترسوا فيه، وبندقية واحدة باتجاه عدو يريد احتلال بلادهم بغطرسة شوفينية طائفية غيبية لا مثيل لها في التاريخ الحديث؛ ومازال هناك حتى من المنصفين مَن تغيب عنه تفاصيل ما حدث في العراق، وتحديدا منذ وصول الخميني قادما من باريس كزعيم “للمعارضة الإيرانية” آنذاك، إلى نشوب الحرب في 4 سبتمبر 1980 والرد الحاسم والاستباقي الشجاع في 22 من الشهر ذاته والذي أوقف طموحات الخميني وماكينة هلوسة الانتصار على الشاه، والتوقعات بسقوط سريع للنظام السياسي في العراق بمجرد التلويح في الحرب وتصدير “إسلام الخميني” إلى بغداد قلعة الرشيد.

هل بعد حكم العراق من قبل أحزاب وتنظيمات ومجاميع الحرس الثوري الإيراني، من دليل على المخطط التدريجي لتنفيذ الأهداف العميقة في العراق والمنطقة؛ لهذا إلقاء الضوء صار لازمة دائمة على الظروف التي جاء فيها الخميني والإرادات الدولية ودور المخابرات الأميركية وسبب التخلي وكسر العصى الإمبراطورية للشاه رضا بهلوي، وما رافقها من الاحتلال السوفيتي لأفغانستان، وما لحقها من كوارث كانت جميعها نتاج العام 1979 ومنها بداية ونمو الإرهاب وصولا إلى محطة داعش.

خامنئي عندما كان رئيسا لإيران وفي العام 1983 ومع حصول الإيرانيين على موطئ قدم داخل الحدود العراقية، أعتقد في قاطع الشيب، وبحدود 3 كم، كان يردد أن جيش الخميني سيحتل بغداد؛ احتلها فعلا لكن بعد عام 2003 بمساعدة “الشيطان الأكبر” الأميركي وتم تعيين قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني، قاسم سليماني، مندوبا “ساميا” في العراق عن الولي الفقيه، ومنسقا مع القيادات الأميركية المتجاهلة عن عمد الإدانة الواضحة في مجلس الأمن قبل أيام أثناء مناقشة تقرير الأمين العام للأمم المتحدة حول تنفيذ الاتفاق النووي المبرم مع إيران. الإدانة جاءت على لسان السفير الفرنسي الذي اتهم المجتمع الدولي بالتهاون مع قاسم سليماني الموضوع على لائحة الإرهاب وإشرافه على تصدير السلاح خارج إيران.

تلك الترددات لا يجب ضبطها لوضع مؤشر ملالي طهران على موجة الإرهاب وداعش تحديدا، لأنها موجة قصيرة وبذات المديات وتتبادل معه السمعة السيئة والتوحش والمصالح واستهدافها ذات الجماعات وصنع المبررات وإشاعة الكراهية للإسلام وخلق مناخات للعداوات وإعطاء الدروس لتبني القتل كأسلوب منافسة.

ليس تكهّنا لكنها مآلات الصراعات الراهنة التي من المحتمل أن تفرز لنا انتحاريين وسفاحين في خدمة اليمين المتنامي في أوروبا مثلا، أو متطرفين بمعنى الكلمة في استجابة شعبوية للرد على جرائم الإرهاب، وانفلات التعصّب وتوغل العنف إلى الشخصيات المؤهلة لاستقبال الدوافع عبر أخبار الموت اليومي والحروب وانعدام الأمل في الدول الكبرى التي تنصّلت عن دورها الأخلاقي بضمان الأمن والسلم في العالم.

بعد احتلال العراق وقرارات الحاكم المدني للعراق بول بريمر، التي يبدو أنها استوحيت من مقولة جيمس بيكر وزير الخارجية الأميركي في عهد جورج بوش الأب “سيعود العراق إلى ما قبل عصر الصناعة”، وتولي مجذوبي الولاية الإيرانية حكم العراق الذين باشروا رسم مخطط الخنادق والحواجز عندما شرعوا المحاصصة الطائفية ودفعوا بميليشيات إيران إلى الواجهة.

من خلال البراهين المثبتة بعمليات الغدر وقوائم المطلوبين الذين تمت تصفيتهم والدفع باتجاه الحرب الأهلية والدسائس، كان المطلوب هو وضع الخطوة الأولى لتقسيم العراق بخندق صغير يتمثل في الخوف داخل المناطق المختلفة طائفيا لإرغامها على النزوح وتكوين طيف موحد يسهل معه التعامل في مرحلة لاحقة. خنادق تحيط بالمدن والأقضية وترسيم فعلي لتجاوزات على الحدود الإدارية للمحافظات وخنادق لبغداد، وأسوار إقليم كردستان وعلى الحدود الدولية وقرب المراقد، كلها تنذر بالنزاعات المؤجلة.

بعد أشهر من الاحتلال اطلعت على خارطة موزعة على أرتالهم الأميركية المتجولة، فيها الحدود الإدارية للمناطق السكنية، ملونة بلونين “معزولين” عندما استفسرت، قيل لي “إنها خارطة بغداد الطائفية”.

كاتب عراقي

حامد الكيلاني

:: مقالات أخرى لـ حامد الكيلاني

حامد الكيلاني

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر