السبت 25 مارس/اذار 2017، العدد: 10582

السبت 25 مارس/اذار 2017، العدد: 10582

صداقات مجازية

يمكن توليد مفهوم الصداقة الفكرية من مصطلح التجاور، بوصفها ارتباطا ذهنيا والتزاما بالوفاء لقيم مشتركة والسعي إلى تطعيم تلك الآصرة المعنوية بحوار مجازي يتم فيه تبادل الكلام والإنصات.

العرب شرف الدين ماجدولين [نُشر في 2016/07/27، العدد: 10347، ص(15)]

حين نفكر في الصلات التي يمكن أن تجمع بين مسارات متنائية في عوالم الأدب، تبدو التفاصيل الحياتية حاملة لمضمرات جديرة بالتأمل، وثمة دوما طموح وأمل في الإنجاز وسباق لاهث للتحايل على الأقدار باصطناع أنداد وأصدقاء مجازيين، والبقية تحولات محكومة بسياق التكوّن الشخصي وتطلعات الخيال.

هكذا قد تنتسج روابط بين أكوان فكرية وإبداعية متباعدة المراتع والهويات والتحولات، وتتخذ شكل تذاوت خلاق مغر بالاستكشاف والتغلغل، ويشفّ عن دلالات مثيرة وبالغة العمق. بل لعلها أن تكون أبلغ وأثرى من تلك الأواصر الظاهرة في عالم الكتابة الناجمة عن الانتماء إلى عوالم وتأثيرات ثقافية مشتركة.

الصلة هنا تكاد تكون غير واقعية، بقدر ما هي متخيّلة، بالنظر إلى تجانس الأقدار والقيم وتماثل الطموحات والمصائر، وهي ربما الفكرة التي ألهمت محمد برادة في روايته “حيوات متجاورة”، من خلال عبارة تقول “حين ننتبه إلى أننا نجاور في رحلتنا حيوات أخرى متباعدة عن مسارنا نبدأ في الاستحضار والمقارنة، فيتسلل ضوء لينير جوانب من العتمة”.

ويمكن، في صدد هذا المعنى، توليد مفهوم الصداقة الفكرية من مصطلح التجاور، بوصفها ارتباطا ذهنيا والتزاما بالوفاء لقيم مشتركة والسعي إلى تطعيم تلك الآصرة المعنوية بحوار مجازي يتم فيه تبادل الكلام والإنصات ثم السعي إلى الانزياح بقدر التجاور إلى التقاطع عبر نصوص وكتابات تنير وتكثّف العلاقة.

أورد كل هذه الأفكار وفي ذهني ذلك التذاوت الفكري المركب الذي جمع طه حسين وأبوالعلاء المعري، حيث مثل الشاعر الأعمى سندا وجدانيا لكاتب لم يصلب عوده في مجال الأدب بعد. كانت الشكوك والعوائق المتلاحقة ومنغصات الاتكال على الآخرين في المعرفة والعيش تدفعه إلى البحث عن “أبي علاء” مستمر ودائم ولا يتنحى عند الأزمات.

لا يكفي هنا أن نتحدث عن الإلهام الأدبي، بل يمكن أن يكون مفهوم “القرين” أو “الذات الأخرى”، أكثر دقة، ولعله الوضع ذاته الذي سيحتله خورخي لويس بوخيس لأدباء عميان آخرين.

وفي مجمل كتب إدوارد سعيد يحضر الفيلولوجي والمؤرخ الأدبي الألماني إيريك أورباخ، منذ كتابه الأول عن جوزيف كونراد، وحتى آخر كتاباته ذات الطبيعة السياسية الجدلية. لقد مثل أورباخ اليهودي الفار من محارق النازية إلى إسطنبول والعارف باللغات الغربية والشرقية القديمة، نموذجا للخارج عن محيطه العرقي واللغوي والثقافي إلى فضاء جديد مكنه من النظر إلى تراث الأدب الغربي من دون معيقات وجدانية.

كان أورباخ مثالا على القدرة على تحويل قدر المنفى إلى امتياز فكري وعلى تجاوز قدر الانتماء الديني والعرقي في محيط مناهض، لهذا كان حضوره بصفته تلك، ملهما لإدوارد سعيد وباتت سيرته مع كتابه الأساسي “محاكاة: تمثيل الواقع في الأدب الغربي” بمثابة لازمة في مختلف مؤلفات إدوارد سعيد.

كاتب من المغرب

شرف الدين ماجدولين

:: مقالات أخرى لـ شرف الدين ماجدولين

شرف الدين ماجدولين

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر