الاحد 30 ابريل/نيسان 2017، العدد: 10618

الاحد 30 ابريل/نيسان 2017، العدد: 10618

قفز البوكيمونات

ما تؤكده حمى تطبيقة البوكيمون، هو أن الشعوب باتت مهددة بأن تقاد بعد اليوم أو غدا عن بعد، وعبر وسائط يستفيد منها بالأساس المتحكمون في وسائل الاتصال الحديثة.

العرب الحبيب الأسود [نُشر في 2016/07/27، العدد: 10347، ص(24)]

يبدو أن البوكيمون بما يمثّله حاليا من حمى عالمية بامتياز، بات يحتاج إلى موقف من بان كي مون ذاته، فالملايين من البشر في القارات الخمس يتراكضون من مكان إلى آخر خلف كائنات البوكيمون الافتراضية القافزة بهم بين الحدائق والحقول والمساكن والفضاءات التجارية والشوارع والمقارّ الحكومية وربما الثكنات العسكرية وقواعد حلف الناتو إن لزم الأمر.

لعبة “بوكيمون غو” التي حققت للشركة المنتجة نينتندو أرباحا وصلت خلال أسبوعين إلى أكثر من موازنات عشر دول أفريقية مجتمعة، أثبتت أن العالم يتجه إلى الجنون الفعلي، وأن العقل البشري بات لعبة في يد التقنيات الحديثة التي تقود مبتكريها مع كل يوم جديد إلى مساحات لم يحلموا بولوجها أو اقتحامها سابقا، وإلا كيف لتلك الرسوم المتحركة التي راجت منذ أعوام خلت عبر شاشات التلفزيون، أن تخرج من جديد لتقود جحافل البشر إلى مطاردتها، عبر حيل نفسية مبتكرة، تحول الإنسان ذاته إلى فريسة للوهم، ومن خلال ذلك تأسره، وتسيطر عليه، وتوجّه حركاته، وتعرّيه، وتعري المكان الذي هو فيه، والفضاءات التي من حوله، فإذا بأغلب بقاع العالم مكشوفة بالصوت والصورة في وقت واحد، وإذا بالبشر على اختلاف هوياتهم الثقافية والاجتماعية والنفسية، وبمختلف أعمارهم كذلك، قد تحولوا إلى كائنات تائهة في فضاء يفضح عجز الجميع عن التحكم فيه كما تتحكم فيه البوكيمونات اليوم.

وإذا كان هناك من رجال الدين الإسلامي من حرّموا لعبة “البوكيمون غو”، أو حذروا من مخاطرها، فإن الأمر لا يحتاج إلى فتاوى شرعية، بقدر ما يحتاج إلى توعية نفسية من جهة، وإلى التنبيه إلى حالة الفوضى التي يمكن أن تتسبب فيها اللعبة كما فعل الألمان مثلا عندما أكد 80 بالمئة منهم أنها تضر بحركة السير، أو إلى خطرها على الأمن القومي كما أشارت إلى ذلك جهات روسية وأخرى عربية، أو حتى إلى خطرها على المعطيات الشخصية، حيث يتطلب إنزال التطبيقة على الهاتف الجوال أن يسمح صاحبه للشركة المنتجة بالدخول إلى عنوانه الإلكتروني وصفحاته على مواقع التواصل الاجتماعي وإلى مجالات دردشته وصوره بما يحولة مباشرة إلى كائن بلا خصوصية.

إن ما تؤكده حمى تطبيقة البوكيمون، هو أن الشعوب باتت مهددة بأن تقاد بعد اليوم أو غدا عن بعد، وعبر وسائط يستفيد منها بالأساس المتحكمون في وسائل الاتصال الحديثة ممن تتحد مصالحهم مع شبكات التجسس والمال والسلاح الكبرى، بينما يدفع السذّج والبسطاء فاتورة ذلك دما وألما وضياعا، وتنهار الدول من الداخل باختراق بُناها من قبل كائنات افتراضية وكأننا في فيلم خيال علمي مرعب. فهل نحتاج إلى تدخل بان كي مون في الكشف عن مخاطر البوكيمون؟ هذا إذا لم يكن هو ذاته يجري وراءها في حديقة الأمم المتحدة.

الحبيب الأسود

:: مقالات أخرى لـ الحبيب الأسود

:: اختيارات المحرر