الاثنين 29 مايو/ايار 2017، العدد: 10647

الاثنين 29 مايو/ايار 2017، العدد: 10647

المجتمع المدني التركي وأسئلة الوجود والأدوار

أردوغان يزرع اليوم بذور الانقلاب القادم، ويضع بيديه لبنات الرفض المتصاعد ضده وضد سياساته الشمولية التي تحوله إلى رئيس نصف – نصف سلطان.

العرب أمين بن مسعود [نُشر في 2016/07/28، العدد: 10348، ص(9)]

كم من انقلاب عسكري صار ثورة شعبية بمقتضى العدالة الاجتماعية والاقتصادية والارتكاز الاستراتيجي والتموقع الإقليمي، وكم من ثورة شعبية حقيقية صارت انقلابا عسكريا بفعل اغتصاب الحريات ومصادرة التعددية وإعلان التصفية ضد أصدقاء الأمس، وكم من انقلاب بقي على حالته من الاستعصاء السياسي فلا أصلح ولا عدل، وكم من انقلاب على انقلاب قوّض مفهوم الدولة ومعنى الجمهورية واستباح أسس العمران البشري من عدالة وحرية وتمدّن، فإذا به يستحيل انقلابا على الدولة لا على نظام الحكم. وعندما يكون الانقلاب الفاشل ضد دكتاتور، يصير الثأر عاما والانتقام تشفيا ولا يُستثنى أحد من آلة الغضب الدكتاتوري وأول ضحاياه مؤسسات الدولة والمجتمع المدني.

معضلة تركيا أن حاكمها دكتاتور قوي في دولة ديمقراطية مدنية ضعيفة، ومعارضتها عاجزة عن الفعل وأعجز عن الحكم، ومجتمعها المدني قاصر عن الضغط في وجه الحاكم بعد استنزاف قواه في معركة ميدان “تقسيم”، الأمر الذي يفسر حالة استفراد رجب طيب أردوغان بالمؤسسة العسكرية والأمنية والصحافية والثقافية والأكاديمية والتعليمية، وسط صمت مطبق من المعارضة السياسية وفعاليات المجتمع المدني التركي.

فأن يسجن 21 صحافيا بتهمة دعم الانقلاب وتغلق مؤسسات إعلامية ويلاحق أكاديميون وأساتذة جامعة بالمئات ويزّج بهم في معتقلات لكي يتعرضوا للتعذيب والتنكيل وحتّى الاغتصاب على أيادي الأمن التركي، دون أن يتحرّك المجتمع المدني التركي ودون أن يصدر بيانا واحدا ضد إجراءات التطهير التي يقوم بها أردوغان، لهو أمر مثير للتساؤل والاستفسار والحيرة أيضا.

ذلك أن كافة التحذيرات من انزلاق تركيا إلى سياق الاغتيال المادي والمعنوي صدرت من منظمات حقوقية دولية، ومن وزراء خارجية دول أجنبية على غرار فرنسا وألمانيا، ومن هياكل إقليمية مثل الاتحاد الأوروبي الذي هدّد أنقرة بوقف مسار الانضمام إلى النادي الأوروبي في حال إعادة العمل بعقوبة الإعدام.

من الواضح أنّ مسار محاصرة أردوغان للمجتمع المدني على مدى أكثر من عقد من الزمان، أفرزت في المحصلة “مجتمعا شبه مدني” تابع لحزب العدالة والتنمية ولأردوغان تحديدا. ذلك أن سياسات العصا الغليظة التي اعتمدها أردوغان، قبل الانقلاب الفاشل، ضدّ القضاة والمحامين وحتّى النواب عبر إسقاط الحصانة على 30 منهم في انتظار ملاحقتهم بتهم دعم حزب العمال الكردستاني، وضدّ الإعلاميين بتهمة المس من قيمة رئيس الجمهورية والتدخل في عمل قضاة التحقيق والنواب العامين، إضافة إلى التضييق على مؤسسات إعلامية تجرّأت على الكشف عن فضائح مالية واقتصادية كبيرة تورّط بها ابن أردوغان والعائلة القريبة منه.

ويبدو أنّ هذه السياسة دفعت المجتمع المدني إلى الاستقالة من العمل الرقابي على الفاعل التنفيذي، ذلك أنّ التكلفة الغالية للنضال تدفع إلى ترك الأماكن وإخلاء الفضاء، فللنضال في دولة الاستبداد فاتورة باهظة وللنضال في الدولة السائرة نحو الاستبداد فواتير مادية ومعنوية كثيرة.

ولئن كانت من إرهاصات دولة الاستبداد على يد أردوغان مصادرة الحريات والتضييق على الصحافة، فإن صمت المجتمع المدني التركي هو مقدّمة للدخول إلى مملكة الطغيان، وهو ما لا نرجوه للدولة التركية وللشعب التركي. يزرع أردوغان بذور الانقلاب القادم، ويضع بيديه لبنات الرفض المتصاعد ضدّه وضدّ سياساته الشمولية التي تحوّله إلى نصف رئيس – نصف سلطان.

الذين خرجوا في شوارع إسطنبول وأنقرة رفضا للانقلاب وشجبا لدكتاتورية العسكر الفاشلة في كافة العواصم المكلومة بالبزة العسكرية، لن يتهاونوا عن الخروج ضدّ دكتاتورية النظام. فلن يهربوا من رمضاء العسكر للتعلق بنار أردوغان.

كاتب ومحلل سياسي تونسي

أمين بن مسعود

:: مقالات أخرى لـ أمين بن مسعود

أمين بن مسعود

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر