الثلاثاء 17 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10784

الثلاثاء 17 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10784

الداخل مولود

الداخل إلى لعبة النسبية مولود من جديد، أما الداخل إلى بوكيمون غو فهو على هوى أغنية عبدالحليم حافظ 'مفقود، مفقود'.

العرب ميموزا العراوي [نُشر في 2016/07/29، العدد: 10349، ص(17)]

مؤخرا، اعتبر أحد الباحثين في علم النفس أن لعبة “بوكيمون غو” تعكس رغبة شديدة لدى الناس في التواصل الاجتماعي، كما تعكس رغبة في السير قدما بالعالم وإحداث تغيير ما، وخاصة عبر خاصية “اقبض عليهم جميعا!”.

تحض هذه الخاصية “الفذّة” اللاعب على “إحداث تغيير في العالم” عبر إلقاء القبض على مخلوقات بجرمها المشهود، أما الجرم المشهود، فهو مجرد ظهورها أمامه وهي تتقافز في الشوارع وفي المؤسسات، ومنها متحف الفن المعاصر في نيويورك، حيث تركز اهتمام، ما أودّ تسميتهم بـ”فرسان العصر”، ليس التفكر في الأعمال الفنية المعاصرة، بل في التربص بكائنات مُبرمجة ومُصعلكة قد تطلّ من خلف هذا العمل الفني أو ذاك.

جاء هذا البحث في سيكولوجية اللعبة تزكية لدراسة سابقة تؤكد أن لهذه اللعبة فوائد من أهمها التشجيع على النشاط البدني والسير على الأقدام، ذكرني هذا التحليل بشكل كبير بتكتيك استراتيجي تقليدي يصار فيه إلى وضع جزرة أمام ناظري الحمار، لكي يسير قدما لرغبته في الفوز بالجزرة، علما -وليس لعلمه- أنه لن يصل إليها أبدا، وإلاّ بطلت غاية التقنية المُتبعة.

هذا ليس من باب التهكم بفنون العالم المعاصر ومن أهمها فن وعلم الألعاب الإلكترونية، فثمة “ألعاب فيديو” مُبتكرة مبنية على منطق ذكي وأهداف ترفيهية تتلاقى بشكل كبير مع ما نختبره من أفكار وتجارب في عالمنا المعاصر، ومن ضمنها تلاقح الواقع بالمُتخايل، ولا سيما حينما يكون الواقع يفوق المُتخايل بقسوته، ألعاب هي بعيدة كل البعد عن تقديم مشهد تراكض بشري بهدف “سجن” مخلوقات مُضحكة لا تقل إضحاكا عن ملامح العته البادية على وجوه اللاعبين.

نذكر من هذه الألعاب، لعبة “النسبية”، وهي لعبة ابتكرها الفنان ومُصمم الألعاب الإلكترونية ويلي شير الذي تلقى دراسته الجامعية في الفيزياء والاقتصاد.

تعتمد هذه اللعبة على إدخال اللاعب إلى عالم متحول شبيه بكافة لوحات الفنان الهولندي العالمي م. سي. إشير، المليئة بالأبواب، والانعكاسات، والنوافذ، والمتاهات، والأبراج المُشيدة، ولكنها مستوحاة، بشكل خاص، بقوانينها وهيئتها وأفكارها الفلسفية من لوحة محددة تحمل ذات اسم اللعبة، أي “النسبية”، حيث تتسلق هيئات بشرية على سلالم تتحدّى قوانين الجاذبية، كل منها على طريقته الخاصة.

متاهات معاصرة: كل شيء عُرضة للتقييم الشخصي ولقانون النسبية، وكل درب ممكن سلكه، حتى السير على الجدران وصولا إلى أعلى السقف.

يقول المُصمم إن أكثر ما شدّه في لوحة الفنان الهولندي م. سي. إشير، هي ذهنية تفكيكه للواقع، وإدخاله لعنصر الشكّ، وتصويره للمكان، وهندسة الأشياء العادية كالسلم أو النافذة أو الشلال بشكل غير اعتيادي البتّة، حتى أن الأشياء المُصوّرة في اللوحات يُظهرها الفنان من خلال إمكانية استعمالها بطريقة مختلفة، حسب وجودها في إطار مكانيّ مختلف وخاضع لقوانين جاذبية مغايرة.

يضيف المُصمم أن محور اللعبة يدور حول إمكانية اكتشاف ورؤية أبعاد جديدة للواقع، “ليست هذه إلّا بداية.. كلما تعمّق اللاعب سيكتشف محاور لصيقة بحياته العصرية، محاور تطرق إليها الفنان م. سي. إشير كالاستعادة واللانهائية وجدلية الأبعاد الثلاثة”.

في بداية حياته الفنية، كان ويلي شير يعرض تجهيزات فنية مبنية على أفكار وجدت لاحقا صداها في لعبة النسبية، أفكار كتلك التي عبر عنها إشير في رسوماته، ويعتبر المُصمم أن عالم الألعاب الذي دخل إليه هو امتداد لعمله الفني السابق، حيث قدمت أعماله التجهيزية فرصة للمشاهد لالتماس عوالم مُغايرة، حوّلته لعبة النسبية إلى لاعب يخوض غمارها.

وفي حين تركز لعبة بوكيمون غو على النظر المباشر، وعلى إدارة “هرولات” اللاعب، تركز لعبة النسبية على القدرة الخلّاقة وعلى الرؤية العميقة وتفكيك وتحليل المعطيات بهدف التقدم في عالم يعاد النظر إليه بصورة أشمل، أو على الأقل في عالم يساهم في ابتكاره.

الداخل إلى لعبة النسبية مولود من جديد، أما الداخل إلى بوكيمون غو فهو على هوى أغنية عبدالحليم حافظ “مفقود، مفقود”.

ناقدة من لبنان

ميموزا العراوي

:: مقالات أخرى لـ ميموزا العراوي

ميموزا العراوي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر