الخميس 27 ابريل/نيسان 2017، العدد: 10615

الخميس 27 ابريل/نيسان 2017، العدد: 10615

بعد بريكست.. 'أميركا بزنس' أولا

مؤيدو هيلاري يتخوفون من تشدد ترامب تجاه الوافدين واندفاعه في مواقفه التجارية وتهديداته غير المحسوبة باستخدام السلاح النووي، وتقييماته لتعاملات أميركا وعلاقاتها الدولية حتى مع أعضاء حلف الناتو على مقياس 'البزنس'.

العرب حامد الكيلاني [نُشر في 2016/07/30، العدد: 10350، ص(8)]

حسم الحزب الجمهوري والحزب الديمقراطي مرشحيهما لانتخابات الرئاسة الأميركية؛ دونالد ترامب في مواجهة هيلاري كلينتون، بعد زوابع استثنائية من الجدل والمنافسة والاختلاف وعدم الاستقرار وغياب الثبات على مرشح يحظى بتوافقات الأغلبية. حدث ذلك داخل فنجان كلا الحزبين، ولم تخلُ المنافسة خارجه من مشاهد الضرب بـ“الكيك” إلى “الكيك بوكسنغ” بين مؤيدي الطرفين.

المفاجآت في البيت الديمقراطي انتهت بما يتعلق بالمنافس بيرني ساندرز على طريقة هيلاري ذاتها، عندما انسحبت لدعم المرشح باراك أوباما عن حزبها في انتخابات العام 2009 رغم احتجاجات وغضب الداعمين لساندرز، لكنها، أي المفاجآت، ربما لن تنتهي إذا ثبت تسريب وكالتي تجسّس روسيتين للآلاف من الرسائل الإلكترونية المتبادلة بين قادة الحزب الديمقراطي ونَشَرَها لاحقا موقع ويكليكس، وفيها اتهامات صريحة بالانحياز إلى المرشحة كلينتون. وإذا تصاعدت الأصوات بالتحقيق في القرصنة الروسية، وهي ليست المرة الأولى، فإنها ترقى إلى الفضيحة ويمكن وصفها بـ“ووترغيت” جديدة وأخطر من سابقتها التي اتهِم فيها الرئيس ريتشارد نيكسون، لارتباطها بتدخل خارجي وتلقي دعم من “أعداء الولايات المتحدة”.

ترامب، المرشح الجمهوري كان قد استغل استخدام هيلاري كلينتون لبريدها الإلكتروني الخاص كوزيرة للخارجية في رسائلها دون الالتفات إلى التصنيفات السرية متباينة التقييم، في إشارة من خصومها، وتعني فقدانها الوعي المطلوب للحذر أو التصرف اللائق في ملفات السياسة الخارجية الأميركية.

كيف سيتعامل ترامب وحزبه الجمهوري والإعلام المنحاز إلى حملتهم الانتخابية مع القرصنة الروسية التي ردّ عليها سيرجي لافروف وزير الخارجية الروسي بعدم استحقاق الرد، لكن جون كيري، وزير الخارجية الأميركي، وفي المؤتمر الذي جمعه بلافروف، لم يجامل الوزير الروسي بعدم الاهتمام، إنما أجاب بأن بلاده ستحقق في تلك التسريبات.

البيت الجمهوري سعى عبر العديد من قياداته إلى كبح جماح “الفارس الأبيض” دونالد ترامب، الذي أضاع، بحسب استطلاعات الرأي، أصواتا بنسبة تتجاوز الـ70 بالمئة من أصوات النساء “الجمهوريات” بسبب تصريحاته غير المسؤولة تجاه ما يطالبن به من مساواة في الأجور وتعديل للقوانين الخاصة بالرعاية الصحية وقضايا أخرى تهم المرأة؛ وذلك تفريط بنصف أصوات المجتمع.

يصف الكثيرون دونالد ترامب بأنه “عبقري في التسويق” لكنه لا يمتلك الخبرة في السياسة والأمن القومي، وهما محوران أساسيان في كل الحملات الانتخابية، كما أنه تعاطى بعنف مع الأقليات، وتبريراته يسوّقها ضمن دفاعه عن شعار حملته “سأجعل من أميركا دولة عظيمة، مرة أخرى”، لكنه يعود ليستنزف أصوات الناخبين “مرة أخرى” ليضيف إليهم الأميركان من الأصول الأفريقية ذوي “البشرة السوداء” الذين انتخبوا باراك أوباما رئيسا لدورتين انتخابيتين وهم قطعا سيضعون أصواتهم في خدمة هيلاري التي دعمها أوباما في خطابه بعد ترشيح الحزب الديمقراطي لها، وأشاد بها وبحزمها المتوقع في القضاء على الإرهاب.

هيلاري وترامب كلاهما يحاول استقطاب أصوات المستقلين بالجنوح في حركتهما نحو الوسط، رغم اليسار الليبرالي لهيلاري، وترامب المحافظ الذي يمكن أن نطلق عليه الآن صفة الجمهوري المعتدل قياسا بمنافسيه ومنهم تيـد كروز مثلا، نظرا لآرائهم حول الحريات الدينية والمثليين والإجهاض.

يعتمد ترامب، تماما، على ذوي “البشرة البيضاء” من غير المتعلمين جامعيا واليائسين من الأميركيين، وغالبيتهم من العاطلين والمتضررين ماديا أو من المنتقدين لسياسة أوباما الخارجية وما أفرزته من تراجع للدور الأميركي في العالم؛ كذلك ثقتهم في طروحات الأداء الاقتصادي لترامب وأرضية طموحاته المبنية على نجاح إمبراطوريته المالية خاصة في قطاع الفنادق.

المسرح السياسي للانتخابات الأميركية الحالية يبدو استعراضا متنوعا ومبهرا يتخلله التهريج والتدافع، وأحيانا الاشتباكات اللفظية أو بالأيدي يتقدم فيها المرشحان على اعتبارات الحزبين، كأنهما في سجال شخصي ينظر إليه مؤيدو ترامب بمثابة فرصة للخلاص من آل كلينتون والمقصود الفترتين الرئاسيتين لبيل كلينتون زوج هيلاري، وأيضا لباراك أوباما وحزبه الديمقراطي.

مؤيدو هيلاري يتخوفون من تشدد ترامب تجاه الوافدين واندفاعه في مواقفه التجارية وتهديداته غير المحسوبة باستخدام السلاح النووي، وتقييماته لتعاملات أميركا وعلاقاتها الدولية حتى مع أعضاء حلف الناتو على مقياس “البزنس”.

بعد الاستفتاء بالموافقة على خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي المسمّى “بريكست” وما نتج عنه من ندم حتى من فئات واسعة صوتت بنعم، وهم من الذين كانوا يرفعون شعار “بريطانيا أولا” لعلاقته برفض فكرة الاندماج والتجارة الحرة وانتقال المهاجرين من أوروبا الشرقية أو اللاجئين من بلداننا العربية أو الأفريقية، رغم أن بريطانيا خارج منظومة الحدود المفتوحة لدول الاتحاد الأوروبي، لكن الاستفتاء، وهذا رأي المصوتين بالموافقة، كان محاولة لاستعادة شخصية بريطانيا العظمى التي فجّرت الثورة الصناعية ثم انتقلت في زمن مارغريت تاتشر إلى أسواق البورصات المالية.

بريطانيا ربما من المبكر أن نقول إنها تنكفئ داخل حدودها لأنها، وهذا المرجح، ستستوعب الصدمة لتبقي على صلتها بالاتحاد الأوروبي، بالاتفاقيات الثنائية على سبيل المثال أو بالاندماج الكلي أو الجزئي في البورصات الفاعلة.

أميركا مع “بريكست” فقدت صلتها المميزة بالاتحاد الأوروبي نظرا إلى حجم العلاقة التي تجمع بريطانيا بها وأعلنت أسفها الشديد لنتائج الاستفتاء؛ وفي حالة فوز دونالد ترامب المرشح الجمهوري ورغم أنه من المحافظين لكنه بحكم اهتماماته وتبنيه “أميركا أولا” من المتوقع أن يعيد قراءته لأهمية منطقة التجارة الحرة لأميركا الشمالية “نافتا” بدولها الثلاث، أميركا وكندا والمكسيك، والمحادثات الجارية لتحرير التجارة بما يعرف بـ“الشراكة عبر المحيط الهادي” ومنها دول في آسيا والاتحاد الأوروبي.

المفوضية الأوروبية تدعم تصويت الدول الأعضاء على اتفاقية التجارة الحرة مع كندا وليس البرلمان الأوروبي، وفي هذا تصريح لموافقات دول معينة وليست بالضرورة موافقة أوروبية كحزمة واحدة.

شكليا لا يؤخذ ذلك إلا على وجه المصالح المشتركة، لكنه في العمق يتلاءم مع التوجهات الشعبوية لدونالد ترامب أو أحـزاب اليمين المتطـرف، المتصيدة بنجاح، لضربات الإرهاب وتصاعد وتائره لتضع الأسلاك الشائكة من جديد لترسيم خرائط بلدانها السياسية وأمنها الوطني، وتلقى تجاوبا في استطلاعات الرأي، كما يفعل ترامب.

هيلاري غير مستقرة أيضا نتيجة لفوضى الانتخابات والإرهاب والدور المتزايد للسياسة في اقتصاديات العالم ومخاطر تداعي “الدول الفاشلة”.

أميركست، أي خروج أميركا من منطقة التجارة الحرة إلى ما يسمّيه ترامب التجارة العادلة التي لا ترى في الاقتصاد إلا ما تقرره أرباح السياسة، تعويم لمفهوم السوق ومؤشرات العرض والطلب وما يعود بالنفع على المؤسسات الكبرى. قد نشهد إفلاسا أو “إيكست” لبنوك أو حتى دول ضمن الاتحاد الأوروبي، نحن نصدق كل شيء.

كاتب عراقي

حامد الكيلاني

:: مقالات أخرى لـ حامد الكيلاني

حامد الكيلاني

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر