الاثنين 16 يناير/كانون الثاني 2017، العدد: 10514

الاثنين 16 يناير/كانون الثاني 2017، العدد: 10514

'المشخصاتي' يتكلم في السياسة والجيش يتهم بالنازية

في منتصف ثمانينات القرن العشرين اخترع مثـقِّـفو مبارك شعار «الصحوة الكبرى» عنونا لتلك المرحلة، وأسهم متوسطو الموهبة من الأكاديميين وطالبي القرب بأنصبة تكافئ الرغبة والقدرة.

العرب سعد القرش [نُشر في 2016/07/31، العدد: 10351، ص(11)]

محمود ياسين ظاهرة في تاريخ السينما المصرية

الممثلان المصريان الأحب إلى نفسي والأكثر بقاء في ذاكرة الأجيال القادمة هما أحمد زكي وسعاد حسني. لم أقرأ أن أيّا منهما تمتع بوعي ثقافي فارق يتيح له اتخاذ مواقف سياسية، أو تحدِّي سلطة سياسية أو جماعة ضغط، على طريقة شارلي شابلن ومحمد علي كلاي ومارلون براندو. أدرك كلاهما شيئا واحدا، أنه مجرد ممثل، «مشخصاتي»، وأن مهنة التمثيل تحتاج إلى دأب يستند إلى موهبة أصيلة، فلم يمارسا ادعاء بالمعرفة، ولا تشدقا بإطلاق سيل من الكلام الكبير، واحتفظا بمكانة راسخة في تاريخ الفن.

وإذا غادر «مشخصاتي» ميدانه، وتطوع بفتاوى سياسية متسلحا بشهرة مؤقتة، سقط قناعه عن جهل فادح وفاضح معا، والأمر نفسه ينطبق أيضا على المخرج الذي يحاسبه الجمهور على إجادة فنه، ولا يستجوبه لمعرفة مدى إلمامه بالنظريات السياسية.

وقد اجتمع مخرج متعوس وممثل خائب الرجاء في فيلم مصري، ومهرجان تونسي، فكان التهافت الدال رغم مرور 42 عاما على «الواقعة». في مهرجان قرطاج الخامس (1974) عرض فيلم «الرصاصة لا تزال في جيبي»، وعقب عرض الفيلم نجد مخرجه حسام الدين مصطفى (1926 ـ 2000) كلاما تافها، يرسّخ الصورة الذهنية لدى المغاربة عن تراجع السينما المصرية، وميل أغلب السينمائيين إلى مداعبة الجمهور ضمانا لحصد ربح سريع، يقول إن السينما التجارية «هي رمز للنجاح.. يجب أن تكون الجرعة السياسية والوطنية محددة جدا.. لست من أنصار السينما السياسية جملة وتفصيلا».

لم يطالبه أحد بفيلم «سياسي»، وإنما بإخراج «فيلم» يستحق المشاهدة، ويصمد في اختبار الزمن، وسيتضح بعد 22 عاما، في اختيار السينمائيين المصريين لأهم 100 فيلم مصري عام 1996 بمناسبة مئوية السينما، خلوّ القائمة من أعمال حسام الدين مصطفى باستثناء «السمان والخريف»، وقد احتل موقعا متأخرا، رقم 95.

تنحسر الأضواء فيظهر النجم عاريا، وفي ندوة الفيلم بقرطاج حوصر المخرج (في حضور المخرج التونسي رضا الباهي والمخرج اللبناني برهان علوية والناقد السوري رفيق الأتاسي والناقد اللبناني وليد شميط)، فاستعان بمحمود ياسين بطل «الرصاصة لا تزال في جيبي». حين أقرأ الآن كلامهما في الندوة، من واقع شريط تسجيل كتبه يوسف شريف رزق الله ونشره الناقد المصري سمير فريد في كتابه «حرب أكتوبر في السينما» يدهشني وصف محمود ياسين لانقلاب أنور السادات في 15 مايو 1971 بأنه «ثورة شعبية»، والقطع بأن هزيمة الجيش في يونيو 1967 كانت أمرا محتوما، بسبب وجود «طبقة» حاكمة، «والشعب كان يؤله هذا الوضع وكان يعدّ لثورة شعبية».

لا تسأل عن التناقض بين التأليه الشعبي الدال على الرضا وبين التمرد الممهد للثورة. انس هذه المفارقة وتابع تمادي الممثل الذي يحلو له سماع صوته، وهو يقول إن «الجيش الذي حارب في 67 كان جيشا نازيا محيّدا عن الشعب. كان جيشا نازيا. وكان الشعب يعلم سلفا أن هذا الجيش سينكسر.. الهزيمة كانت لطبقة قادت جيشا نازيا لم يرض عنه الشعب». رجّحت أن في الكلمة التي ترددت ثلاث مرات خطأ مطبعيا، وأنه يقصد «ناريا» أو متهورا، فأغناني الجمهور التونسي الذكي، بمقاطعته للممثل «بصفير من الصالة» كما يوثّق الكتاب.
تخطيط: حسين جمعان

أستكمل قراءة الندوة، وبعد أسئلة من الصالة، وإجابات انفعالية هستيرية من المخرج، تتأكد لي صحة وصف المشخصاتي للجيش بأنه «نازي»، إذ علّق المخرج السنغالي أبوبكر صامب السكرتير العام لاتحاد السينمائيين الأفريقيين قائلا إن الشعب العربي يدافع عن قضية عادلة، «لقد قال شخص ما الآن إن جيش 67 كان جيشا نازيا، والصحيح أن الجيش لم يتغير وأن رؤساءه فقط هم الذين تغيروا». وكانت محسنة توفيق حاضرة، بصحبة فيلم «العصفور» ليوسف شاهين، فسارعت إلى تقديم دفاع واع ونبيل عن الشعب المصري، رافضة اتهامه بالبلادة والسلبية.

قالت الفنانة القادمة من صفوف اليسار والثورة إن مصر شهدت منذ ثورة 1952 قفزات مهمة على طريق الاستقلال الوطني والتصنيع والوعي العام، وإن «تاريخ مصر من 52 إلى 67 ليس بهذه البساطة والخفة.. وليس صحيحا أن جيش مصر كان جيشا نازيا»؛ فالجنود الذين هزموا تمكنوا من تحقيق النصر بعد ست سنوات في أكتوبر 1973. وهنا قاطعها حسام الدين مصطفى: «بزيادة يا مدام»، ولكنها واصلت الكلام، وحمّلت القيادة السياسية مسؤولية إساءة تقدير الموقف عام 1967، «أما المقاتل فلم يتغير. الشعب المصري ليس بهذه البساطة»، وهنا قاطعها الجمهور معجبا، «تصفيق حاد»، وكأني أراها في ميدان التحرير، تجلس مرهقة بالقرب من المتحف المصري، تستعجل مع الملايين رحيل حسني مبارك بعد اندلاع ثورة 25 يناير.

في منتصف ثمانينات القرن العشرين اخترع مثـقِّـفو مبارك شعار «الصحوة الكبرى» عنونا لتلك المرحلة، وأسهم متوسطو الموهبة من الأكاديميين وطالبي القرب بأنصبة تكافئ الرغبة والقدرة. شرحوا متنا غير موجود، وكان الجمهور قد حسم سباق النجوم لعادل إمام وأحمد زكي، وأقصى محمود ياسين إلى الظلّ، فكتب عن صحوة مبارك، قصيدة إنشائية لا يذكرها أحد، ولكنّي أذكر الشطر الثاني لأحد أبياتها «هي صحوة كبرى». لم يدرك أن السلطة تستعين بالرابح، ولا تمنح هباتها لمن سقط، ولا تنتشل من تعجزه قدراته، ولا يعنيها أن محمود ياسين كان ظاهرة لم تتكرر في تاريخ السينما المصرية، تقدّم على أبناء جيله بأعماله الغزيرة (136 فيلما، و23 مسرحية والعشرات من المسلسلات التلفزيونية والإذاعية)، وحقق أرقاما قياسية لم يبلغها ممثل مصري آخر؛ ففي سبعينات القرن الماضي قام ببطولة 74 فيلما، وعرض له في السنوات الخمس الأولى من ذلك العقد 40 فيلما، وكان متابعوه يتنقلون بين قاعات عرضت له 12 فيلما عام 1974. ثم سرعان ما خبا، ولم يترك بصمة، لا جمر يدل على النار.

وكان حسام الدين مصطفى أيضا ظاهرة بغزارة أعماله، التي يقارب عددها مجموع ما قدمه يوسف شاهين وصلاح أبوسيف وكمال الشيخ. كان يخرج أحيانا أربعة أفلام في السنة، وفي تسعينيات القرن العشرين فاجأنا بزيارة إسرائيل، وقررت نقابة السينمائيين شطبه من عضويتها؛ إذ تحظر كل النقابات على أعضائها زيارة الكيان الصهيوني. كابر حسام معلنا استعداده لتكرار الزيارة. وفي 30 أغسطس 1997 كتبت في «الأهرام المسائي» رثاء بعنوان «مائة فيلم ذهبت سدى»، وأن الله لا يكلّف موهبة إلا وسعها، وأن الفراغ وعدم التحقق يؤديان إلى افتعال الضجيج، بدليل حصول فيلمه «دماء على الثوب الأبيض» على لقب أسوأ فيلم في إحدى دورات مهرجان الإسكندرية، وحين أراجع الآن موسوعة الأفلام لكتابة هذه السطور لا أجد تاريخا لعرض الفيلم في قاعة؛ لأن «المنتج خجل من عرضه بالأسواق»؛ فليست الأفلام بالنيات.

روائي من مصر

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر