الخميس 23 فبراير/شباط 2017، العدد: 10552

الخميس 23 فبراير/شباط 2017، العدد: 10552

أمير كوستوريتشا المخرج الذي غير جلده مرتين

المخرج البوسني أمير كوستوريتشا ظل يُتهم بالتهرب من اتخاذ موقف سياسي واضح في الصراع الدامي الذي استمر لسنوات في بلده، ووجهت إليه الكثير من الأسئلة بهذا الخصوص.

العرب أمير العمري [نُشر في 2016/07/31، العدد: 10351، ص(16)]

تنكر كوستوريتشا لأصله البوسني والتحق بصربيا

من قبل أن تبدأ الدورة الأخيرة من مهرجان كان السينمائي في مايو الماضي، والأنباء تنسب إلى المخرج البوسني أمير كوستوريتشا، الحائز على “السعفة الذهبية مرتين”، انتقادات قاسية ضد إدارة المهرجان، خلاصتها أن رفض فيلمه الجديد “في درب اللبانة” ضمن البرنامج الرسمي للمهرجان، يرجع إلى تأييده سياسة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين.

وقد نقلت وكالات الأنباء عن كوستوريتشا قوله إنه خلال السنوات الأخيرة، أصبحت السياسة تتدخل أكثر وأكثر في عمل مهرجان كان واختياراته، وأنّ لديه شكوكا بأن هناك من أصدر أمرا بعدم قبول لفيلمه. والأكثر من ذلك أن كوستوريتشا زعم أنه قدم فيلمه للمهرجان بعد يوم واحد من انقضاء الموعد النهائي للتقديم، مضيفا أن هذا ليس من الممكن أن يكون السبب وراء رفض فيلمه، موضحا “إن هذا التأخر لم يمثّل أبدا مشكلة من قبل في مهرجان كان.. بل إن أحدا لم يشاهد فيلمي”.

مؤخرا عاد كوستوريتشا، الذي فاز بالسعفة الذهبية عام 1985عن فيلمه “عندما كان أبي بعيدا في رحلة عمل”، ثم عام 1995 عن فيلم “تحت الأرض”، لكي يغيّر أقواله تماما، موضحا أن السبب الحقيقي في ذلك هو أن فيلمه لم يكن قد أصبح جاهزا للعرض، وأنه كان ينتظر الانتهاء من عمل المؤثرات الخاصة واستكمال المونتاج وتقصير زمن الفيلم قليلا. وقال كوستوريتشا إن المدير الفني للمهرجان تيري فريمو، ظل لمدة ثلاث سنوات، يتابع تطور العمل في مشروع الفيلم، لكن كوستوريتشا رأى بعد أن شاهد النسخة للمرة الثالثة، أنها لم تكن صالحة بعد، وهو ما ينفي تماما تصريحاته السابقة.

يقوم كوستوريتشا في فيلمه الجديد بالدور الرئيسي أمام نجمة الشاشة الإيطالية مونيكا بيلوتشي. ويصوّر الفيلم ثلاث مراحل في حياة رجل: تجربته في الحرب، قصة حبّه لامرأة يأمل أن تنقذه من معاناته وذكرياته المريرة وتخلّصه من كوابيسه، ثم بعد أن يصبح راهبا يعيش في عزلة عن البشر ليبدأ في مراجعة مسار حياته المضطربة.

كوستوريتشا المخرج والممثل، هو أيضا مغن وعازف غيتار يقود فرقة موسيقية أطلق عليها “أوركسترا ممنوع التدخين”. وكان قد منع في العام الماضي، من الغناء في أوكرانيا، وأرغم على مغادرة البلاد مع فرقته، بعد أن صدرت منه تصريحات هناك في تأييد الرئيس الروسي بوتين. وقد أقامت الفرقة مؤخرا بقيادة كوستوريتشا، حفلا كبيرا في موسكو.

المخرج البوسني

منذ الإعلان الرسمي عن موهبته الكبيرة كمخرج سينمائي عام 1985 مع حصول فيلمه “عندما كان أبي في رحلة عمل” على “السعفة الذهبية” في مهرجان كان، ظل العالم يحتفي بكوستوريتشا باعتباره مخرجا بوسنيا. وقد ولد أمير في ساراييفو عام 1954، ودرس السينما في أكاديمية الفنون في براغ وتخرج عام 1978، ثم أخرج فيلمه الأول عام 1981 وهو “هل تتذكر دوللي بيل” وكان من نوع الكوميديا الساخرة. ولكن فوز فيلمه “عندما كان أبي في رحلة عمل” بالسعفة الذهبية، اعتبر إعلانا عن ظهور أول مخرج موهوب من البوسنة.
ولد في أسرة من الصرب المسلمين المعتدلين (وليس الألبان). إلا أنه فاجأ العالم عام 2005 بتحوله إلى المسيحية الأرثوذوكسية، وأصبح يصر على اعتبار نفسه مخرجا {صربيا} وليس بوسنيا

يعود كوستوريتشا إلى أوائل خمسينات القرن العشرين، إلى فترة التوتر في العلاقة بين نظام تيتو ونظام ستالين في موسكو. أحداث الفيلم تجري في سراييفو، وتروى من وجهة نظر طفل في السادسة من عمره، يعتقد أن والده ذهب في رحلة عمل بينما الحقيقة أن الرجل وقع ضحية إشارته بسخرية إلى رسم سياسي في صحيفة الحزب، إلى جانب وشاية عشيقته به في لحظة شعور بالغيرة، إلى شقيقه، وهو مسؤول في الحزب الشيوعي، ينتهز الفرصة ويرسله إلى معسكر للأشغال الشاقة، لكي يستحوذ لنفسه على الفتاة الفرصة. وتضطر أم الصبي للقيام بالكثير من الأعمال الشاقة لكي تتمكن من رعاية أولادها الثلاثة وأمها. والفيلم يمزج بين الكوميديا الساخرة والتعليق السياسي الخافت، بالدراما المأساوية، مع الكثير من الصدق في التصوير والانتقال بين الشخصيات المتعددة، والمزج بين الحقيقة والخيال والسحر، في تلقائية محببة وجدت صداها لدى الجمهور.

ويعتبر “زمن الغجر” (1988) من أكثر الأفلام صدقا في تصوير حياة هذه الفئة المهمشة من سكان بلدان وسط أوروبا أي الغجر، برفضهم الامتثال لحياة المدينة، والاستجابة للقوانين ومراعاة التقاليد الاجتماعية، بعد أن استقرت تقاليدهم وعاداتهم بل وخلقوا أيضا قوانينهم الخاصة التي تحكم العلاقات فيما بينهم. هنا نرى الأحداث من وعي صبيّ مراهق أصبح على أعتاب الرجولة، يحب فتاة لكنه يخشى أو يستحوذ عليها شيخ الغجر الذي يريد أن يصطحبها معه ضمن وفد من الغجر إلى ميلانو، حيث يمارسون نشاطهم في السرقة والتسوّل والدعارة. ولكن الفتى لا يريد أن يستسلم للسقوط، ويحلم بالعودة والارتباط بحبيبته. ويمتلئ الفيلم بلحظات المرح والأسى، بالرقص والغناء والمشاجرات والعنف والتشكك. ويبرع كوستوريتشا في استخدام وتحريك الممثلين غير المحترفين من الغجر الحقيقيين.

البوسني المتمرد

ظل كوستوريتشا يتمتع بالشهرة والمصداقية وبدرجة كبيرة من التعاطف كونه ينتمي إلى ذلك الإقليم اليوغسلافي المظلوم أي البوسنة، خاصة بعد اندلاع الحرب الأهلية هناك في أوائل تسعينات القرن العشرين. وكان كوستوريتشا محسوبا على مسلمي البوسنة، فقد ولد في أسرة من الصرب المسلمين المعتدلين (وليس الألبان). إلا أنه فاجأ العالم عام 2005 بتحوله إلى المسيحية الأرثوذوكسية، وأصبح يصر على اعتبار نفسه مخرجا “صربيا” وليس بوسنيا، وقال إن والده كان دائما يعتبر نفسه صربيا، وكان ينتمي لعائلة ظلت حتى بضعة قرون مضت، صربية مسيحية أرثوذوكسية، ولكن فرعا منها اعتنق الإسلام مع هيمنة الأتراك العثمانيين على المنطقة.

ظل كوستوريتشا يُتهم بالتهرب من اتخاذ موقف سياسي واضح في الصراع الدامي الذي استمر لسنوات في بلده، ووجهت إليه الكثير من الأسئلة بهذا الخصوص خاصة عندما جاء إلى مهرجان كان ليرأس لجنة التحكيم الدولية عام 2005، وكان كثيرا ما يتهرب من الإجابة ويكتفي بالقول إن لكل إنسان أخطاءه. وخلال الحرب أقام في باريس لفترة قبل أن يعود ليقيم في “ديفينغارد” بصربيا، وهي البلدة التي أنشأها على مقربة من الحدود مع البوسنة وبالقرب من سراييفو، من أجل تصوير فيلمه “الحياة معجزة” (2004). وكما في معظم أفلامه يستخدم كوستوريتشا هنا الكوميديا السوداء ليروي قصة تدور قبل اندلاع الحرب مباشرة، مصورا كيف تجمع الأقدار بين مهندس صربي يشيد طريقا للقطارات في منطقة ريفية تمهيدا لتحويلها إلى منطقة سياحية، لكن شبح الحرب يخيم، وهو يقع في غرام امرأة مسلمة تدعى “صابحة” بينما تهرب زوجته المضطربة عقليا مع شخص مغامر، ويتم القبض على ابنه تمهيدا لإلحاقه بالجيش الصربي، ويصبح مطلوبا من الأب تسليم المرأة المسلمة مقابل إعفاء ابنه من التجنيد.

"تحت الأرض" أفضل أفلام كوستوريتشا وأكثرها بقاء في الذاكرة

تحت الأرض

ارتبط كوستوريتشا في ذاكرة عشاق السينما ونقادها بفيلمه الكبير “أندرغراوند” أو”تحت الأرض” (1995) الذي انتهى من تصويره بينما كانت معارك الحرب في البوسنة لا تزال مشتعلة. وقد حاول فيما بعد، أن يمدّ هذه التجربة على استقامتها في فيلم “قطط سوداء وقطط بيضاء” ولكن دون نجاح يذكر.

في “تحت الأرض” خمس شخصيات رئيسية، لكن الصراع فيه يتركز حول شخصيتين هما ماركو وبلاكي، وبينهما “نتاليا” المغنية الحسناء التي يحبها كلاهما، ثم إيفان شقيق ماركو، وجوفان ابن بلاكي. يبدأ الفيلم مع تساقط القنابل الألمانية فوق بلغراد عام 1941، وينتهي والحرب لا تزال دائرة بين كل الأطراف في يوغسلافيا عام 1991، ويوجه الفيلم الإدانة إلى الجميع، ويحمّلهم مسؤولية استمرار الصراع والعنف.

وبين البداية والنهاية، يموت البعض ويعيش البعض الآخر، لكنّ الجميع يظهرون مجددا في النهاية يحتفلون ويرقصون ويلهون غير عابئين بما يدور بينهم من قتل وسفك دماء، بل إن قطعة الأرض الصغيرة النائية التي يقفون عليها، تنفصل عن الأرض وتتحرك بعيدا كجزيرة منعزلة في مياه البحر الأدرياتيكي، إيذانا بالمصير الذي انتهت إليه يوغسلافيا التي نراها تغرق ببطء في بحر هائل من الأكاذيب حسبما يرى كوستوريتشا.

يستغل الصديقان ماركو وبلاكي الغزو النازي لبلدهم فيقومون بالسرقة والنهب ويبرز بينهما ماركو بذكائه الحاد ووجهه الثعلبي ونزعته الانتهازية النفعية، أكثر من بلاكي الطفولي الوجه، الذي يبرر أفعاله لنتاليا، معتبرا نفسه روبين هود، يسرق من الأغنياء لكي يحمل لها الهدايا الثمينة، لكنها تفضل عليه الضابط النازي الذي يمنحها الإحساس بالقوة والحماية. وهو اختيار يعكس انتهازيتها التي تتسق مع انتهازية ماركو.

يندمج الرجلان في المقاومة السرية للنازية مع الاستمرار في القيام بالسرقة وتجارة السوق السوداء، ويشارك ماركو في الاجتماعات السرية للحزب الشيوعي التي تنعقد تحت الأرض في أقبية سرية، ويقوم بإخفاء مجموعة من رجال المقاومة في القبو الكبير الواقع تحت منزل جده، لكي يصنعوا الأسلحة لمقاومة النازيين.

النزاع الشرس

وبعد وفاة فيرا زوجة بلاكي أثناء الولادة، تصبح الفرصة سانحة أمام بلاكي للزواج من نتاليا، لكن نتاليا ترفض وتتمادى في علاقتها مع الضابط النازي فرانز، فيقوم بلاكي باختطافها، ويطلق الرصاص على فرانز، لكنه لا يموت بل يلحق ببلاكي ويقبض عليه ويقوم بتعذيبه بوحشية، غير أن ماركو ينقذه بعد أن يتخفى في زيّ طبيب. ويقوم ماركو بإخفاء بلاكي مع الآخرين في القبو، ويخطط للاستيلاء على قلب نتاليا لنفسه. وفي عام 1944 يبدأ قصف الحلفاء للمدينة فيدمرون ما أبقى عليه النازيون، ثم تنتهي الحرب. لكن ماركو يوهم الرجال المختبئين بأن الحرب انتهت لصالح الألمان، عن طريق إذاعة بيانات مزورة بالراديو عن انتصارات النازيين داخل القبو، لكي يضمن بقاءهم بعيدا عن العالم، تحت الأرض، ويضمن بالتالي ابتعاد بلاكي المتهوّر الأحمق عن طريقه.

كوستوريتشا المخرج والممثل، هو أيضا مغن وعازف غيتار يقود فرقة موسيقية أطلق عليها (أوركسترا ممنوع التدخين)

ويستمر الوضع كذلك لمدة خمسة عشر عاما، تتغير خلالها يوغسلافيا، وتبرز شخصية تيتو كدكتاتور، ويصعد ماركو في ظل النظام الجديد كشيوعي مخلص من رجال المقاومة. أما بلاكي، فيصنع منه ماركو بطلا في أنظار الرأي العام ورمزا من رموز المقاومة موهما الجميع أنه استشهد خلال المقاومة، ويقنع السلطات بإنجاز فيلم عن بطولاته في الحرب. ويستمر الآخرون في العيش تحت الأرض في سعادة، ويستمرون في صنع الأسلحة استعدادا لشن حرب مقاومة شاملة ضد الألمان.

وعندما يدرك ماركو أخيرا أن اللعبة قد انتهت، يحرق البيت ويهدم القبو ويهرب مع بلاكي عبر شبكة القنوات السرية التي تربط بين عواصم أوروبا، ويغرق جوفان خلال سباحته في الدانوب مطاردا شبح عروسه الوهمي، وتقبض الشرطة على بلاكي.

ننتقل إلى عام 1991، فنرى بلاكي يقود وحدة من القوات الخاصة. وفي إحدى القرى المدمرة يشاهد ايفان شقيقه ماركو الذي أصبح مقعدا لكنه لا يزال يمارس تجارة المخدرات والسلاح يبيعهما إلى كل الفصائل المتحاربة، فينقض عليه يضربه بعصاه إلى أن يتصور أنه قتله، فيسارع إلى شنق نفسه على شجرة قريبة. إلا أن ضابطا مجهولا من فصيل آخر هو الذي ينهي حياة ماركو ونتاليا ويحرق جثتيهما، وهنا يصل بلاكي ويعلم بما حدث فيبكي بحرارة حبيبته نتاليا، ثم يعود مع مجموعة من رفاقه إلى القبو القديم المهجور، يتبع صوت ابنه الذي يأتيه عبر القنوات التحتية، سابحا إلى أن يصل إلى بقعة نائية فوق الأرض يجتمع عليها كل الذين عرفهم في الماضي والحاضر، الأصدقاء والأعداء بمن فيهم ماركو ونتاليا، حيث يرقص الجميع إلى أن تتحرك بهم الجزيرة بعيدا.

ليس للزمن أو للوقت الذي تدور فيه الأحداث معنى ما محدد. ربما تكون التواريخ التي نقرأها على المقاطع المختلفة من الفيلم: من 41 إلى 44 إلى 61 إلى 80 إلى 91، مجرد وسيلة لتذكيرنا بمرور الزمن، لكن الفيلم بأكمله مصنوع كما لو كان دائرة ممتدة من الماضي إلى الحاضر وربما أيضا إلى المستقبل. ولا شك أن فكرة الدائرة فكرة تشاؤمية، لا فكاك منها ولا حتى بالموت كما يشير الفيلم. يقول ماركو لنتاليا بعد أن يضربه شقيقه إيفان فيصبح موشكا على الموت “إن الحرب الحقيقية لا تبدأ إلا بعد أن يقتل الأخ أخاه”.

ناقد سينمائي من مصر

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر