الثلاثاء 24 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10791

الثلاثاء 24 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10791

جبهة النصرة والقاعدة.. من تبعية إستراتيجية إلى تفويض تكتيكي

  • إعلان جبهة النصرة فك الارتباط بتنظيم القاعدة، هل هو تحول فكري أيديولوجي أم هو حركة تكتيكية فرضتها الوقائع والميادين؟ أيا كان الدافع إلى ذلك، أيديولوجيا أم سياسيا، فإن للحدث مآلاته الأكيدة، إذ سيؤثر حتما في المشهدين السوري والعراقي، وسيطبع علاقات النصرة بغيرها من التيارات الإسلامية فضلا عن بقية الأجسام السياسية المتحركة في المنطقة.

العرب إدريس الكنبوري [نُشر في 2016/08/01، العدد: 10352، ص(13)]

انزياح النصرة عن القاعدة لا يعني تغير أدبياتها

أعلنت جبهة النصرة، التي ظلت طيلة السنوات الأربع الماضية ذراعا لتنظيم القاعدة في سوريا، فك ارتباطها بهذا الأخير، في خطوة جديدة تنبئ بحصول تحوّل في تحليل تنظيم أيمن الظواهري لملابسات الوضع السوري، وانتقاله من نهج أسلوب التبعية تجاه التنظيمات المحلية التابعة له، إلى أسلوب التفويض، الذي يمنحه (أي تنظيم القاعدة) حرية أوسع في تقدير المواقف داخل الساحة التي تتحرك فيها؛ وإن لم يكن معروفا حتى الآن ما إذا كان تنظيم القاعدة سينهج نفس النهج إزاء التنظيمات المنضوية تحته في مناطق أخرى، أم أن ما حصل مخصوص بالوضع في سوريا ويندرج ضمن “نوازل” الحركات الجهادية.

الإعلان جاء على لسان زعيم النصرة أبي محمد الجولاني، في شريط مصور هو أول ظهور علني له، حيث أكد على أن التنظيم سيتحول إلى تنظيم جديد تحت اسم “جبهة فتح الشام”؛ وهي تسمية مراوغة تتجاوز النطاق السوري، وتشمل تاريخيا إقليم الموصل الذي يسيطر عليه تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام لأبي بكر البغدادي، ولذلك فإن التسمية الجديدة تأكيد صريح على أن دائرة تحرك التنظيم الجديد المعلن عنه ستشمل الموصل أيضا.

وإذا كان الجولاني هو من تكفل بمهمة الإعلان عن فك الارتباط بين جبهة النصرة والقاعدة، فإن ذلك لا يعني أن القرار وليد موقف مستقل للجبهة، بقدر ما هو نتيجة تحليل جديد قام به تنظيم القاعدة للحقائق الميدانية والسياسية في الساحة السورية، وهذا ما يتجلى في الكلمة التي ألقاها الجولاني نفسه؛ فقد أثنى على تنظيم القاعدة والظواهري بسبب “تقدير مصالح الجهاد العامة” و”تقديم مصالح المسلمين العامة على المصالح التنظيمية الخاصة”، الأمر الذي يُستفاد معه أن قرار فك الارتباط كان بتوافق بين الاثنين، بعد ما تقرر لدى تنظيم القاعدة أن الساحة السورية بحاجة إلى نمط خاص من التدبير.

قبل كلمة الجولاني كان نائب الظواهري، أحمد أبوالخير، في كلمة صوتية له بثتها مؤسسة المنارة التابعة لجبهة النصرة قد حث هذه الأخيرة “على اتخاذ الخطوات المناسبة” تجاه ما سماه مصلحة الإسلام والمسلمين، مبررا ذلك بالرغبة في الحفاظ على “مصلحة الجهاد الشامي”.

بتمييز نفسها عن القاعدة، تسعى جبهة الجهاد الشامي إلى أن تميز نفسها أيضا عن تنظيم داعش ووضع مسافة تفصلها عنه

وقد بدأت فكرة فك الارتباط بين التنظيمين في الحقيقة تتبلور لدى تنظيم القاعدة قبل فترة ليست قصيرة، ذلك أنه منذ نشأة جبهة النصرة أواخر عام 2011 وانكشاف تبعيتها لتنظيم الظواهري، ثم ما تلا ذلك من محاولات تنظيم البغدادي لضمها إلى تنظيم دولة العراق الإسلامية أثناء إعلان ميلاد داعش عام 2013، والخلافات بين هذا الأخير وبين تنظيم القاعدة في تزايد نتيجة عدم الوفاق بينهما في الساحة السورية، وهو ما استنزف الكثير من طاقة القاعدة في الجدل والسجال وردود الفعل، بشكل باتت معه جبهة النصرة تبدو كما لو كانت مجرد محك لقياس درجة نفوذ كلا الطرفين، أكثر من كونها تنظيما جهاديا يتوفر على استقلالية تامة في اتخاذ قراراته بنفسه.

فارتباط النصرة بالقاعدة قلل من حظوظ منافستها لتنظيم الدولة في الساحة السورية، إذ كانت التنظيم الجهادي الوحيد داخل سوريا الذي لديه ارتباط تنظيمي خارجي.

ففي مايو الماضي أرسل الظواهري إشارة ضمنية تكشف نية القاعدة في فك ارتباط جبهة النصرة بها، حين قال بأن هذا الارتباط لن يكون عائقا أمام الجبهة في تشكيل إمارة إسلامية بالشام؛ فبعد أربع سنوات من المخاض السوري وحالة المراوحة في الأزمة يبدو أن تنظيم القاعدة بات مقتنعا بأنه ربما يكون قد أضاع حزمة من الفرص في سوريا، نتيجة الوصاية التنظيمية على جبهة النصرة التي عزلته عن الحاضنة السورية، بل ربما يكون الظواهري قد بات راسخ القناعة طيلة السنوات الأربع الماضية بأن مستقبل جبهة النصرة اليوم، في مسماها الجديد “جبهة فتح الشام”، لا بدّ أن يؤول إلى التوحد مع التنظيمات المسلحة في سوريا على أساس برنامج مرحلي وأرضية مشتركة، في أفق تحقيق هدفين، وهما إسقاط النظام السوري والقضاء على تنظيم داعش في سوريا على الأقل، وبأن استمرار الوصاية المركزية على الجبهة في الظروف الحالية لن يمكن من اجتماع التنظيمات المسلحة، طالما أن الجبهة مرتبطة بأجندة توضع خارج النطاق السوري، وقد جاءت الإشارة إلى هذين الهدفين في كلمة الجولاني.

(جبهة فتح الشام) تسمية مراوغة تتجاوز النطاق السوري، وتشمل تاريخيا إقليم الموصل الذي يسيطر عليه تنظيم داعش

الجولاني رسم خمسة أهداف للتنظيم الجديد، بعد انفصاله عن القاعدة، وهي في الحقيقة ثلاثة: العمل على التوحد مع الفصائل الموجودة في الساحة السورية، و”حماية الجهاد الشامي” بحيث يحقق هدفه في إسقاط النظام السوري، ثم “العمل على إقامة دين الله وتحكيم شرعه وتحقيق العدل بين الناس، كل الناس”، أما الهدفان الآخران، وهما “السعي لخدمة المسلمين والوقوف على شؤونهم وأحوالهم والتخفيف من معاناتهم بكافة الوسائل الممكنة”، و”تحقيق الأمن والأمان والاستقرار والحياة الكريمة لكافة الناس”، فهما مجرد تفصيل للهدف الثالث.

بتمييز نفسها عن تنظيم القاعدة، تسعى “جبهة الجهاد الشامي” إلى أن تميز نفسها أيضا عن تنظيم الدولة ووضع مسافة تفصلها عنه، وذلك عبر تبنيها لمشروع الوحدة مع الفصائل المسلحة الأخرى في سوريا. ويظهر هذا المشروع تحديا لتنظيم البغدادي في سوريا، وهو ما ينبئ بتجدد المواجهة مع التنظيم في القادم من الأيام، وإعادة خلط الأوراق بين الحركات الجهادية والمسلحة في الساحة السورية.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر