الاربعاء 29 مارس/اذار 2017، العدد: 10586

الاربعاء 29 مارس/اذار 2017، العدد: 10586

الرواية والتاريخ

إن الروائي هو مؤرخ اللحظة الراهنة، لكن ذلك لا يعني أن الروائي يجب أن يقوم بدور المؤرخ، إذ أن لكل منهما أسلوبه ولغته في التعامل مع الواقع والأحداث.

العرب مفيد نجم [نُشر في 2016/08/02، العدد: 10353، ص(15)]

العلاقة بين الرواية والتاريخ لا تزال موضع خلاف وجدل مستمرين بين الروائيين والنقاد، بسبب اختلاف الرؤية بينهم إلى الرواية التاريخية. الروائيون يعتبرونها عملا قليل الأهمية إبداعيا، ما يجعلها أدنى من العمل الروائي. لذلك غالبا ما كان البعض منهم يحتج على هذه التسمية عندما تسم بها عملا من أعماله، وكأنها تهمة تستوجب التبرؤ منها.

تنبع هذه الإشكالية في العلاقة بين الرواية والتاريخ من دلالة المصطلح، الذي لا يقيم أي تمايز بين الرواية التاريخية التي تقوم على سرد وقائع أحداث جرت في الماضي، متبعة في سردها التسلسل الزمني الطبيعي، والرواية التي تتخذ من التاريخ فضاء لها مستخدمة في ذلك أدوات الخطاب التخييلي. إن هذا الاختلاف في الدلالة وقواعد السرد يقتضي استبدال المصطلح بمصطلح آخر هو التخييل التاريخي، الذي يجمع في بنيته بين مفهومي التخيل الذي يقوم على أساسه أي عمل روائي والتاريخ، باعتبار أن كل واقعة اجتماعية هي واقعة تاريخية، كما يؤكد ميخائيل باختين ذلك، شرط ألا تكون الرواية، محصلة جمع بين السوسيولوجيا والتاريخ.

لقد اعتبر الروائي الفرنسي بلزاك نفسه مؤرخ العصر الذي عاش فيه، مستلهما روحه، ولم يكن إميل زولا في أعماله الروائية سوى مؤرخ للحياة الاجتماعية في القرن التاسع عشر. ولا تختلف ثلاثية نجيب محفوظ عن الحياة الاجتماعية المصرية للقاهرة في الأربعينات عما قام به زولا في القرن التاسع عشر. كذلك الأمر بالنسبة إلى خماسية مدن الملح لعبدالرحمن منيف وثلاثية فواز حداد موزييك دمشق 39، وثلاثية الطاهر وطار أو إبراهيم الكوني ورضوى عاشور وغيرها الكثير.

إن الروائي هو مؤرخ اللحظة الراهنة، لكن ذلك لا يعني أن الروائي يجب أن يقوم بدور المؤرخ، إذ أن لكل منهما أسلوبه ولغته في التعامل مع الواقع والأحداث، كما أن الزمن الروائي هو زمن تخييلي قبل كل شيء، على الرغم من محاولة الكاتب الواقعي أن يخلص للواقع من خلال تمثله، ولكن وفق ما تمليه رؤيته إليه، وحاجات الخطاب المسرود، بينما يبقى المؤرخ أسير الحدث لغة ومنهجا. وإذا كان التاريخ هو ما كان، فإن الرواية هي تاريخ ما كان يمكن أن يكون كما يقول الأخوان فونكور.

نحن كائنات تاريخية، نعيش في التاريخ الذي نصنعه كبشر، ولذلك عملت الرواية الجديدة الرافضة للتاريخ، على كسر الزمن وتحطيمه، ومعه المكان، من خلال استبداله بالزمن النفسي القائم على التداعي الحر لشخصياتها، وذلك في إطار محاولة التخلص من ربقة الزمن الموضوعي، عبر استبداله بالزمن الداخلي الذاتي للكائنات الورقية للرواية.

كاتب من سوريا

مفيد نجم

:: مقالات أخرى لـ مفيد نجم

مفيد نجم

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر