الاثنين 18 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10846

الاثنين 18 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10846

إيمان سوار: الأسطورة مظلة شفافة والشعر مطر

  • ما تزال الأساطير منطقة ملهمة للشعراء المعاصرين الذين وجدوا فيها أفقا عاليا للكتابة الجديدة، تمكنوا من خلالها من تقديم الدلالات لتأويل المتلقي وفتح شهيته لإعادة تشكيل الأسئلة الخاصة بالحياة والشعر. الشاعرة البحرينية إيمان سوار صوت شعري شاب، اختارت أن تقتحم هذه المنطقة بأدواتها الخاصة محاولة كشف خرائطها المعقدة عبر قيامة الشعر عليها من جديد. “العرب” التقتها وكان معها هذا الحوار.

العرب زكي الصدير [نُشر في 2016/08/02، العدد: 10353، ص(15)]

قصيدة النثر لا تلتزم بقالب

أصدرت الشاعرة البحرينية إيمان سوار مؤخرا، عبر دار مسعى البحرينية، مجموعتها الشعرية الأولى حاملة عنوان “جنية أو كزهرة شمس”، منطلقة من موهبتها التي نمّتها ذاتيا من خلال الاشتغال والتجريب على الكتابة منذ 2004 حتى 2016. حيث بدأت الكتابة في الملاحق والمجلات المحلية قبل أن تقرر دفع مجموعتها للنشر. وفي مجموعتها نواجه لغة متصاعدة تحاول أن تنشئ علاقاتها الجديدة بالأشياء من حولها، وكأنها تنظّم الفوضى وترتّب مشهدها الكوني وفق ما تراه مناسبا من زاويتها. وبين يدي إيمان حاليا اشتغالات شعرية جديدة غير أنها ليست متسرعة في إصدارها.

جنية أو كزهرة شمس

تقول إيمان عن مجموعة “جنية أو كزهرة شمس”، “تجربة صغيرة لها أسلاك كثيرة، ربما الضوء هنا أصفر كثيرا، جنيتي شرقية متزنة وإن اصطدمت بأرخبيل مستحدث لأجل الخروج عن النمطية والدخول في امتداد القصيدة النثرية التي لا تلتزم بقالب معين. كتبتها لأني أتطعم بطموح الشعر واتخذت زهرة الشمس لقاح الأمل، أما المناخ هنا لا يبتعد عن خط الاستواء للمخيّلة ودائرة الصفر لروح شعرية منغلقة”.

مجموعة “جنية أو كزهرة شمس” تعتني بتفاصيل اللحظة الشعرية، وكأن نصوصها التقاطات فوتوغرافية لمشهد متحرك. هذه التقنية في الكتابة هي أقرب إلى القصة القصيرة منها إلى الشعر، حيث تكثر الأفعال الحركية المتتالية في فضاء النص في مقابل توصيفه الذي هو شرط من شروط الشعر.

وعن ذلك تقول الشاعرة “قيل إن الرؤيا الدرامية تعد من أكثر الرؤى إنضاجا للإبداع الشعري، حيث يتسع فيها الخطاب الدلالي والخطاب التبليغي بشرط أن يحتوي على موسيقى داخلية أو يقدم بطبق مكثف. وهذا ما يفصله عن القصة القصيرة. ما أريد أن أظهره للقارئ أن المشهدية لو تم إتقانها تستطيع أن تصل إلينا رسائل صوتية عالية، تلك المؤثرات والانعكاسات الحركية هي الومضة المنتظرة من الشعر. قد تتسع لتعبر عن أبعد من معنى ذات وتُفّعل حركة التلقي. لا أعتبره شرطا أساسيا في قصيدة النثر لكنه باب، وهناك من الشعراء من يطرقه لفض النص من أجل مصادقته بالدلالات”.

الرؤيا الدرامية هي ما ينضج الشعر، حيث يتسع فيها الخطاب الدلالي الذي يحتوي على موسيقى داخلية ويقدم بطبق مكثف

وظّفت إيمان سوار الأسطورة بشكل واضح في نصّها، وعلى حد تعبير شتراوس فإن “الأسطورة تحكي لنا تاريخا”، والشعر العربي المعاصر اشتغل على هذا التوظيف في مناطق مفصلية مهمة، كانت له علاقة بالسطوة السياسية من جهة، أو بأزمة الخطاب الديني المتشدد من جهة ثانية، إلا أن ضيفتنا تفضّل أن تترك التفسير في يد المتلقي الذي سيحاول أن يفكك نصها الشعري كما يحلو له.

وفي سؤال عن أسبابها التي دفعتها إلى إعادة هذا التوظيف في نصها الأول تجيب “لا أحتمل وقع المطر لذا أختار المظلة الشفافة، الأسطورة أو الميثولوجيا هي مظلتي الشفافة لمطر شعر لا بد منه. بداية دخولي في عالم قصيدة النثر، كتبت أول قصيدة بعنوان ‘تاسعة نوريس” للتوضيح فإن نوريس بحسب الأسطورة هو إله الحرب، أردت أن أعبر عن آثار الحرب دون ذكر المفردة نفسها ومن ثم انجرفت مع تيار الأساطير اليونانية والرومانية، كنت أحب قراءتها إلى جانب الفلسفة بشغف، وكانت تأتي من نفسها كلما مسكت قلما لكتابة نص. لا أؤمن بها لكني أتفاعل مع المخيلة التي تصنعها والتي تحتوي على أبعد نقطة ممكنة في الشعر. ذلك الغموض الأسطوري الذي يفسره الشعر، يعمق الحس، ويفتح المسار للتفسيرات والتأويلات، قد نكون سلفادوريين، وقد يكون مخطوطنا بلا ألوان لذلك نُقدر عقل المتلقي وننحني له”.

لكل قصيدة طريق

تنتمي إيمان سوار (مواليد البحرين 1988) لجيل ثقافي معاصر له رؤيته المختلفة للحياة ولكيفية التعاطي معها وفق مشروع جديد يحاول أن يرسم هويته الثقافية ببصمته الخاصة، غير أن هذا الجيل –رغم ثوريته الواضحة- لا يزال مسكونا بهموم الأجيال السابقة وأسئلته التي تتعلّق بالهوية والطائفة والسياسة.

الخروج عن النمطية

تحدثنا ضيفتنا عن هذا الشأن قائلة “ليست نفاقا كتابة الشاعر عن غيره، وليست أنانية كتابته عن نفسه. ما يؤرقني هو أن يعتقد الشاعر بأنه مصلح اجتماعي دون أن ينتبه لفطرته كإنسان، ما أخشاه هو أن ينسى الشعراء بأنهم تخرجوا من مدرسة الاحترام. كأن يتعصب لانتماءات ضيقة، سواء على الصعيد الديني أم السياسي الثقافي أم الشعبي. تراه يحمل معه مقياسا في جيبه قبل كل حديث. لا أجد اختلافا في الأجيال التي سبقتني سوى أن رواد القصيدة النثرية في تدفق مستمر، غير أن الوتيرة في اتخاذ المدرسة الشعرية الملائمة لكل ذوق مازالت قائمة. القصيدة سر الحياة الذي مازلت أجهله، قد يخفق الشاعر في التوظيف أحيانا وقد لا يصل الصدى دائما، ولكل قصيدة طريق يُكملها المتلقي”.

ترى إيمان سوار أن الاهتمام بحقوق المرأة البحرينية أو غيرها لا يشكّل أزمة رئيسية في المجتمع، ولو أنها حاولت قسرا الاهتمام بها فإن ذلك سيبدو كموضوع دخيل جامد يشل من حركة الشعر، إلا أنها ذكرت النساء في أكثر من موضع في مجموعتها. تقول في نص “ألوان ممنوعة”: هنا ألوان ممنوعة/ كلما ذكرت غيمة النساء اشتدت السماء/ هن راهبات في الحزن/ تراتيلهن أيولوس/ لا تؤولوا مطري/ ها ورق من شجر ضعيف/ بهمزة أنا”.

تؤكد إيمان سوار في حوارها مع “العرب” قيمة القضايا القومية والوطنية في النص الشعري ولكن على الشاعر أن يجيد التعامل معها. تقول “هناك دور حقيقي ودور ثانوي تلعبه تلك القضايا في الشعر، قد تكون بشكل بطولي أو ثانوي، وقد تكون لمحة، بالتالي تتفاوت في ظهورها. وعلى الشاعر أن ينعشها بطريقته الخاصة، ليست بالضرورة كل المشاهد الشعرية سيرة ذاتية، قد نتقمص الضمائر فيها، لأنها تحتلنا بشكل ما، قد تتوسع الرؤيا الخاصة لتشمل العام، وقد نكون الوطن نفسه”.

تتفق ضيفتنا إيمان في موقفها الثقافي مع الرأي الذي يذهب إلى ضرورة خلق هوية جامعة للمثقف البحريني بتعدد أطيافه وانتماءاته لا سيما مع تجدد المواقف على المستوى العربي في الربيع وما بعده. غير أنها لا تحب الإسهاب في الحديث عن ذلك لقناعتها بأنها ملفات تؤدي إلى التشظي.

وفي سؤال أخير لها عن رأيها في المقاطعة الثقافية التي حصلت بين مثقفي البحرين بعد أحداث 14 فبراير 2011، وعن رأيها في تحييد الثقافي عن السياسي، تجيب ضيفتنا “المقاطعة والثقافة مفردتان متضادتان والعلاقة بينهما عكسية، وأبتعد عن أي توضيح”.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر