الاثنين 16 يناير/كانون الثاني 2017، العدد: 10514

الاثنين 16 يناير/كانون الثاني 2017، العدد: 10514

الديمقراطية والمرجعية في العراق هما السبب في ظهور داعش

إما ولاية فقيه، وإما حكومة عراقية متماسكة. لا يوجد خلل في الإسلام وتاريخه المشرق، وإنما هناك خلل معاصر في الإسلام السياسي الجهادي المنفلت الذي تحول اليوم إلى مشكلة عالمية.

العرب أسعد البصري [نُشر في 2016/08/03، العدد: 10354، ص(8)]

كرمت دولة الإمارات العربية المتحدة هذا العام الكاتب أمين معلوف بجائزة الشيخ زايد للكتاب، وهو كاتب يستحق التكريم لأنه كرس جهده للتعايش بين الثقافات والدعوة إلى التعايش والسلام بين الشعوب. يقول أمين معلوف “لا توجد ديانة مجردة من التعصب ولكن إذا قمنا بجردة لهاتين الديانتين المتخاصمتين (المسيحية والإسلام) لتبين لنا أن صورة الإسلام ليست بهذا السوء. لو كان أجدادي مسلمين في بلد فتحته الجيوش المسيحية بدلا من كونهم مسيحيين في بلد فتحته الجيوش المسلمة، لا أظن أنهم كانوا استطاعوا الاستمرار في العيش لمدة أربعة عشر قرنا في مدنهم وقراهم محتفظين بعقيدتهم. ماذا حدث فعليا لمسلمي أسبانيا وصقلية؟ لقد اختفوا عن آخرهم، ذُبِحوا أو هُجّروا أو تمّ تعميدهم بالقوة”.

إذا قارنّا تاريخ العالم المسيحي مع العالم المسلم سنكتشف من جهة ديانة متعصبة لفترة طويلة وتحمل إغراء توتاليتاريا واضحا، ولكنها تحولت شيئا فشيئا إلى ديانة انفتاح. ومن جهة ثانية الإسلام ديانة تحمل رسالة انفتاح، ولكنها انحرفت شيئا فشيئا إلى سلوكيات تعصبية وتوتاليتارية. هذا كاتب يستحق التكريم من دولة جعلها موقعها الجغرافي أن تكون ملتقى الحضارات والثقافات.

كثيرون اندهشوا للفعل الشنيع الذي ارتكبه تنظيم داعش الإرهابي بحق الإيزيديين في جبل سنجار واعتبروا ذلك دليلا على وحشية الإسلام، ووحشية السنة، ووحشية العرب، ووحشية الموصل. الحقيقة أنا نظرت إلى الأمر من زاوية مختلفة تماما.

كيف استطاعت أقلية (غير كتابية) العيش لألف وخمسمئة سنة في الموصل المسلمة؟ كيف لم يتم محوها من الوجود، كما فعل المسيحيون بالوثنيين اليونانيين بالإسكندرية في العهد الروماني المسيحي أو كما فعل المسيحيون بالمسلمين في أسبانيا؟

مجرد بقاء أقلية (غير كتابية) كالإيزيديين إلى جوار أهل الموصل دليل على عظمة وتسامح الإسلام، وعظمة العرب، وعظمة أهل الموصل. إن جريمة تُرتكب بحقهم بعد ألف وخمسمئة سنة من التسامح الإسلامي والعربي، لا ينبغي أن تدفعنا إلى الخطأ بقدر ما تدفعنا إلى التساؤل لماذا حدث هذا الانقلاب؟

أعتقد جازما بأن كل تحول من التسامح إلى التعصب يكون بدافع الخوف، والولايات المتحدة الأميركية زرعت الخوف من الأقليات، فالإسلام متسامح عبر التاريخ. هل توجد في التاريخ القديم والوسيط إمبراطورية نصف سكان عاصمتها من ديانة أخرى كما كانت اسطنبول أيام الإمبراطورية العثمانية؟ نصف سكانها الأصليين كانوا يهودا ومسيحيين. هل يمكنك تخيل نصف سكان روما في العهد المسيحي من المسلمين أم أنهم سيُبادون عن بكرة أبيهم؟

الخوف من الأقليات تصاعد عند السنة حين رأوا العلوي بشار الأسد يذبح نصف مليون، ويشرد عشرة ملايين، ويمحو مدنا سنية قديمة من الوجود لشعب عربي كسوريا، وليس ذلك فقط، بل رأوه يتلقى دعما علنيا من شيعة لبنان والعراق وإيران، ومن بعض الأقليات الأخرى مدفوعة بخوفها التاريخي.

لقد شعر فقهاء الإسلام بالغدر، وبأنهم عبر التاريخ سمحوا لهذه الأقليات بالعيش الكريم دون تهجير وتبشير وذبح. فلماذا يصنع بهم شيعة العراق كل تلك الجرائم بدعم أميركي؟ لماذا لا يوجد تعاطف ولا احتجاج واضح ضد هذا الدم المسفوك لأولادهم وبناتهم؟

وكانت ردة الفعل دموية وغاضبة ومدمرة. بكل أسف فرغ المعتكف التاريخي لكنيسة مارمتي في هضبة الموصل (وطن الفلاسفة المسيحيين والسريان) الذي بقي مضاء بالشموع والنبيذ منذ القرن الرابع الميلادي، ولم يمسسهم المسلمون بأذى وحفظوا لهم العهد.

بكل أسف، الجماعة (غير الكتابية) الإيزيدية القديمة التي عاشت بسلام مع المسلمين حول جبل سنجار منذ فجر التاريخ، تم تهجيرها وسبي فتياتها على يد المتعصبين الدواعش. إن القضاء على الانحراف، كما يقول وزير الخارجية الإماراتي الشيخ عبدالله بن زايد آل نهيان، غير ممكن إلا بالقضاء على أسباب هذا الانحراف. أي القضاء على الطائفية الشيعية المدعومة من إيران، ووضع حد لتغول الأقليات في سوريا، لأن ذلك في رأيي من أهم أسباب ذلك الانحراف المخيف الذي أدى إلى ظهور الإرهاب.

أمام هذا الغليان والصعود المخيف للإسلام السياسي نحتاج إلى مساعدة من الأقوياء. تصريح أميركي واحد يقول بأن العراق ليس شيعة وسنة بل عرب وأكراد، حتى يمكننا الخلاص من هيمنة رجال الدين. لا يمكن ظهور حكومة عراقية متماسكة بوجود المحاصصة الطائفية. الإنكليز مثلا فهموا ذلك ودعموا الملك فيصل الأول ملك العراق ضد نفوذ المراجع الإيرانيين في النجف. لا توجد إمكانية لتعايش المرجعية الشيعية مع الحكومة الوطنية، فإما ولاية فقيه، وإما حكومة عراقية متماسكة. لا يوجد خلل في الإسلام وتاريخه المُشرق، وإنما هناك خلل معاصر في الإسلام السياسي الجهادي المنفلت الذي تحول اليوم إلى مشكلة عالمية.

لم يعد أمام المثقف خيار، فإما كاتب يساري يؤمن بأن الجماهير تغير الحكومات بالثورات والانتخابات مثل الشيوعيين والإخوان المسلمين والخميني، وإما كاتب يميني يؤمن بأن القوة والعوامل الخارجية ومصالح الشركات الكبرى تصنع الحكومات الناجحة. إما كاتب يمثل غريزة الجماهير وأفكارها المتطرفة، وإما تمثل مصالح العقلاء والأقوياء وأفكارهم.

الجماهير العربية اليوم غريزية متطرفة وغير مؤهلة للانتخابات والديمقراطية، وهي قوة عمياء بيد رجال الدين، وتشكل خطرا على المبادئ الليبرالية والحقوق المدنية والاستقرار. ليست كندية ولا فرنسية، لم تمر بنظام تعليم ليبرالي ولا نمط حياة تنويري.

لو مُنحت حق التصويت فإنها ستصوت للخليفة أبي بكر البغدادي الإرهابي وملوك الطوائف الفاسدين كما في العراق. القوة الأميركية المتطورة قضت على البغدادي، وليست القناعة والجماهير هذا كذب. البغدادي قادم من التراث ويؤمن بأن النصر العسكري يحشد الجماهير خلفه، كما كان يؤمن خالد بن الوليد “الناس تكثر بالنصر، وتقل بالهزيمة”.

لهذا نحن بحاجة إلى نظام حكم مستنير ومعتدل مع رقابة دولية، وإعلام سليم وانفتاح ثقافي، مع استقرار أمني واقتصادي. إن محبة الضعفاء في مجتمع يميل إلى التطرف الطائفي، تستوجب الدعوة إلى حمايتهم من شرور أنفسهم وطموحاتهم، ومن عبث الزعماء الدينيين.

كاتب عراقي

أسعد البصري

:: مقالات أخرى لـ أسعد البصري

أسعد البصري

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر