الاثنين 23 يناير/كانون الثاني 2017، العدد: 10521

الاثنين 23 يناير/كانون الثاني 2017، العدد: 10521

الانقلابات واردة في العراق رغم 'نعمة الاستقرار' الإيراني

استباق ثورة الشعوب الإيرانية، جاء ساذجا ومبرهنا على الصراع القادم، ليس في مجريات الانتخابات القادمة، لكن في بقاء خامنئي على قيد الحياة.

العرب حامد الكيلاني [نُشر في 2016/08/03، العدد: 10354، ص(8)]

من بين نقاط خمس، لا تتعلق بالانتقادات المباشرة لرئيس وزراء بريطانيا الأسبق توني بلير، وردت في تقرير لجنة تشيلكوت الخاص بالحرب على العراق، وأشارت إليها الصحف البريطانية قبل أيام؛ إن معايير التدريب المعتمدة من قبل الحكومة البريطانية للقوات العراقية لم تكن بمستوى متطلبات الجاهزية لحفظ الأمن بعد الانسحاب المتسرع غير المسؤول من العراق.

وهذا ينسحب على مجمل برامج التدريب واللوائح وأسس القبول في الأجهزة الأمنية والعسكرية لما بعد الاحتلال الأميركي البريطاني؛ رغم الشكليات وضجيج الاستعدادات وتهيئة مستلزمات المعسكرات، وبعضها خارج الأرض العراقية، وإعلام مزدحم بالإعلانات مدفوعة الثمن، ومراكز تجمع، ودفع الآلاف من المتطوعين حياتهم لسوء التنظيم وإصرار المشرفين عليها، بعد العشرات من التفجيرات، على إبقاء الشباب المتقدمين في مناطق مفتوحة خارج الحدود الإدارية الآمنة لمراكز التطوع، وكانوا صيدا سهلا ووافرا للإرهاب.

ومن تجربة تلك الأيام، وبعد دخول المقبولين إلى معسكرات التدريب المتعددة، توزيع الاستمارات وملء المعلومات ليتم فيها الفرز الطائفي للمقاتلين الذين “سيدافعون عن وطنهم” وطالما أثارت نداءات الضباط الأميركان أو البريطانيين أو من الجنسيات الأخرى الاستغراب لتركيز نداءاتهم على الانتماء المذهبي وبلكنة تبعث على السخرية، وأيضاً على قراءة النيات المبيّتة في ترسيخ الطائفية حتى في معسكرات إعداد قوى الأمن أو الجيش.

هل كان الأميركان وحلفاؤهم على معرفة تامة ومسبقة، قبل الاحتلال، بالمجتمع العراقي وتركيبته المذهبية وأعدوا لنظام المحاصصة كبرنامج سياسي أم أنهم كانوا يمتلكون جزءا منها وأضيفت إليهم توجهات أخرى بعد الاحتلال وعملهم المباشر مع عملاء إيران وأحزابها وقادة ميليشياتها، وإن ما جرى من تثبيت للطائفية بشكل عام أسهمت فيه نصائح أو رغبات ساسة الاحتلال، أو تطابق إرادة العاملين في مختبر المحتلين مع طبيعة فئران التجارب الجائعة لنشر جائحة الطائفية في كل العراق وما يتعداه، كما حصل بعدها وأكدته الموبقات والجرائم؟

أميركا أثبتت، عمليا، جهلها بالتركيبة السكانية للعراقيين، وإن معلوماتها لا تتعدى القراءات الاستطلاعية الجاهزة، ومع غياب واضح لمراكز البحوث والدراسات الإستراتيجية التي تعتبر من خصائص السياسة الأميركية، لأنها تقدم خدمة كبيرة في رسم السياسات الخارجية تحديدا وفي حالة الحرب وتحريك القطاعات العسكرية، كما في المثال العراقي واحتلال المدن بتنوعها الاجتماعي واختلاف تقاليدها وأعرافها، تغدو تلك الدراسات أشبه بخرائط مرور في حقل من الألغام؛ الفلوجة نموذجا.

الرئيس الأميركي جورج بوش الابن، يعترف ببساطة بأنه لم يكن يعرف شيئا عن العراق قبل حرب الخليج الثانية في العام 1991، والواقع يشير إلى معرفة عامة بالشرق والأساطير والحضارات القديمة لوادي الرافدين، وبغداد لهم مثل حكايات مخيلة السينما؛ وهو ما لا يتوافق مع جهد المستشرقين وتضحياتهم في توفير الحقائق واختصار المسافات في تلك الأزمنة الصعبة للتواصل.

بعد موافقة ودعم حكومة حيدر العبادي إلى “الحشد سور للوطن”، أو بتتويج تقليد نظام الولي الفقيه حتى في تشكيل الحرس الثوري؛ يكون النظام السياسي في العراق قد أعلن وأشهَرَ زواجه الكاثوليكي بالنظام الإيراني، وربط وجوده ووضع كل بيضه مرتهَناً في سلة ولاية الفقيه.

لم يكن الإشهار مفاجئا للكثيرين، فسلوك كلا الطرفين من عشاق قاسم سليماني، كان يستند إلى فتوى دينية وخطوات وتعهدات ومبررات وشعارات وحماقات ومجازر، هيأت مناخا ملائما لتفقيس الحرس الثوري العراق المتعهد الرسمي، وليس الحصري، للحرس الثوري الإيراني.

بمعنى آخر، هي صناعة للحرس الطائفي الذي سيدافع بشراسة عن الحكومات المتعاقبة “الطائفية إجباريا” لأن كل مقدرات صناديق أو توابيت الانتخابات ستكون قانونيا تحت سلطة ورعاية وحماية وتصرف “حراس ثورة الاحتلال”، والسيناريو ممكن العودة إليه في نسخته “الأوريجينال الإيرانية” لاقتفاء غد العراق لسنوات؛ ونعتقد أنها لن تكون طويلة.

لا يمكن أن نطلق تعميما بالغباء على ساسة العراق، فتبعيتهم لنظام خامنئي مفروغة منها، وفي طياتها استلاب تاريخي وفكري وثقافي ونفسي، لا يلامون عليه، لأنهم لا يجادَلون في ولائهم له، بل إنهم يوثّقون تقبيل يديه لينالوا رضاه في سباق ومنافسة لخدمته وتنفيذ أوامره في تمزيق صف العراقيين وإذلال المدن العربية الكريمة بالإرهاب المزدوج ورفع الشعارات المفضوحة؛ كما في حالة إيواء قيادات القاعدة ونشاطها من إيران، وحالة القدس في أدبيات السياسة الباطنية لولي الفقيه.

إشارة فقط إلى الوثائق عن الدور الأميركي في إزاحة الشاه والتمهيد للخميني باستلام السلطة في إيران، تفند نفاق النظام في هتاف الموت لأميركا ومحاربة الشيطان الأكبر؛ ونتجاوز النيات الأميركية والبريطانية وحلفائهما في الانسحاب دون دفع ثمن الاحتلال أو السعي لفرض عملية سياسية بناءة بقيادة وطنية بجيش وطني كفء، من نتائجها هذه “الدولة الفاشلة”؛ لنتوقف عند هذيان النظام الإيراني مؤخرا.

المفاجأة، في التصريحات الإيرانية بعد الانقلاب التركي مباشرة وعلى خلاف المتوقع، وعدم تأييدها للتغيير خارج صناديق الانتخاب، وإبرازها أهمية دور الشعب التركي في الدفاع عن الديمقراطية والأمن، مع بعض التلميحات كالمعتاد؛ لكن تصريحات كل الأطراف كأنها كانت رد فعل لانقلاب على نظام ولاية الفقيه، وفي ذلك تخمينات محتملة لما يمكن أن يحصل ووارد جدا في إيران.

استباق ثورة الشعوب الإيرانية، جاء صارخا وساذجا ومبرهنا على الصراع القادم، ليس في مجريات الانتخابات القادمة، لكن في بقاء خامنئي على قيد الحياة؛ أحدهم توجه بالحمد لله على “نعمة الاستقرار” والطمأنينة في إيران، وسط محيط إقليمي يغرق بالإرهاب والمشاكل.

لا أحد سينجو من جرائمه ضد الإنسانية في العراق أو في سوريا، أو في توابع الاستقرار الإيراني؛ وأول من سيدفع الثمن نقدا نظام ولاية الفقيه ونسخته الرديئة في العراق؛ رغم دعاء “الموت لأميركا” ومتعهدي ديمقراطية الحرس الثوري.

كاتب عراقي

حامد الكيلاني

:: مقالات أخرى لـ حامد الكيلاني

حامد الكيلاني

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر